فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 611

قال الواقدي: أخبرني من أثق به، أنه لما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - بالجيوش إلى العراق لم يزل سائرًا حتى قدم أرض الرحبة واتصلت الأخبار ب"اليعمور بن ميسرة العبسي"، وكان يومئذ ملك العرب بعد أياس بن قبيصة (النعمان بن المنذر) الملك من قبل كسرى بن أردشير فكتبا يعلمانه أن جيوش المسلمين قد أقبلت من المدينة، وقد وجهها عمر بن الخطاب إليك، وقد عوَّل على أخذ العراق فاستيقظ أيها الملك من غفلتك وانظر في مصالح دولتك واعلم أن هذا الزمان هو الذي كنَّا نسمع به ولا نصدق، ونكذب به ولا نحقق، ولا نظن أن أحدًا يجسر علينا ولا يصل جيشه إلينا حتى جاء الوقت المقدور وولي المدينة عمر وهو صاحب الفتح ومصبح الملوك بشر صبوح، فقم على قدم الهمم وسر إلى أعدائك وتقدم، وقد أعلمناك لتكون على بصيرة من الأمر، وإياك أن تهمل الأمر! فرب صغير أمر عاد كبيرًا ويسير عاد عسيرًا والحرب أوله شرر وآخره نار تسعَّر والسلام! وبعثا الكتاب مع نجاب، فلما وصل به إلى كسرى وقرئ عليه انتفض لذلك واهتز على سريره وأحضر الأساورة والموابذة والديلم والسهارجة وقرأ عليهم كتاب الملوك. وقال لهم: ما ترون في هذا الأمر الذي قد وقفنا عليه وأشرفنا عليه؟ واعلموا أن هؤلاء العرب قد أخرجهم الجدب والجهد فهم ينظرون لهم مواضع يسكنون إليها وينزلون فيها، وقد أذاقوا الروم شرًا وأنزلوا بهم ضرًا وملكوا المدائن واحتووا على الخزائن.

وكانت الروم قد اجتمعوا عن بكرة أبيهم وما كان منهم أحد إلا أتى الشام وتلاقوا في الحرب بمكان يقال له"اليرموك"، وهذه شرذمة من العرب قد سرحوا بلادكم، وقد عوَّلوا على أن ينزعوا الملك من أيديكم ولا ينفعكم إلا أن تكشفوا عن ساق العزم، وتتشحوا بوشاح الحزم وتذبوا عن أهليكم وأموالكم وأولادكم وحريمكم وبلادكم، واعلموا أن العرب لهم الطمع، وقد دخل في قلوبهم أن يملكوا بلادكم وحصونكم، متى رأوكم ناكلين عن قتالهم فاشلين عن نوالهم مالوا عليكم ميلة الأسود على فرائسها فاحسموا موادهم من أول يوم، وقد قيل في الأمثال:"من نظر في العواقب أمن غائلة النوائب"! ثم إنه فتح خزائن الأموال والخلع وخلع على الهرمزان وقدَّمه على خمسين ألفًا، وخلع على عطارد بن مهرود وقدَّمه على عشرين ألفًا، وخلع على قارين بن همام وقدَّمه على عشرين ألفًا، وأمرهم أن يضربوا خيامهم بأرض زرندان ففعلوا ذلك، وكتب من وقته إلى خراسان وما وراء النهر يستفزهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت