فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 611

قال الواقدي: واتصلت الأخبار إلى الملك هرقل أن المسلمين قد فتحوا حمص والرستن وشيزر، وقد أخذوا الهدية التي بعثها إلى هربيس البطريق فبلغ ذلك منه دون النفس وأقام ينتظر الجيوش والعساكر من أقصى بلاد الروم لأنه قد كان كاتب كل من يحمل الصليب فما مضى عليه إلا أيام قلائل حتى صار أول جيوشه عنده بأنطاكية وآخرها في رومية الكبرى وأنه بعث جيشًا إلى قيسارية ساحل الشام يكون حفظه على عكاء وطبرية وبعث بجيش آخر إلى بيت المقدس وأقام ينتظر قدوم ماهان الأرمني ملك الأرمن، وقد جمع من الأرمن ما لا يجمعه أحد من أهالي الملك هرقل، وبعد أيام قدم على الملك هرقل للقائه في أرباب دولته، فلما قرب منه ترجل ماهان وجنوده وكفروا بين يديه ورفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب مما وصل إليهم من فتح المسلمين بلادهم فنهاهم عن ذلك، وقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية قد حذرتكم وخوفتكم من هؤلاء العرب ولم تقبلوا مني فوحق المسيح و لابد لهؤلاء العرب أن يملكوا ما تحت سريري هذا والآن البكاء لا يصلح إلا للنساء، وقد اجتمع لكم من العساكر ما لم يقدر عليه ملك من ملوك الدنيا، وقد بذلت مالي ورجالي كل ذلك لأذب عنكم وعن دينكم وعن حريمكم، فتوبوا للمسيح من ذنوبكم، وانووا للرعية خيرًا ولا تظلموا، وعليكم بالصبر في القتال، ولا يخامر بعضكم بعضًا، وإياكم والعجب والحسد فإنهما ما نزلا بقوم إلا ونزل عليهم الخذلان! وإني أريد أن أسألكم وأريد منكم الجواب عما أسألكم عنه! فقالت العظماء من الروم والملوك: اسأل أيها الملك عما شئت.

قال: إنكم اليوم أكثر عددًا وأغزر مددًا من العرب وأكثر جمعًا وأكثر خيامًا وأعظم قوة فمن أين لكم هذا الخذلان وكانت الفرس والترك والجرامقة تهاب سطوتكم وتفزع من حربكم وشدتكم، وقد قصدوا إليكم مرارًا ورجعوا منكسرين والآن قد علا عليكم العرب وهم أضعف الخلق عراة الأجساد جياع الأكباد ولا عدد ولا سلاح، وقد غلبوكم على بصرى وحوران وأجنادين ودمشق وبعلبك وحمص؟! قال: فسكت الملوك عن جوابه، فعندها قام قسيس كبير عالم بدين النصرانية، وقال: أيها الملك أما تعلم لم نصرت العرب علينا؟! قال: لا وحق المسيح. فقال القسيس: أيها الملك لأن قومنا بدَّلوا دينهم وغيَّروا ملتهم وجحدوا بإجابة المسيح عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه، وظلموا بعضهم، وليس فيهم عدل ولا إحسان، ولا يفعلون الطاعات،، وأكلوا الربا وارتكبوا الزنا وفشت فيهم المعاصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت