فهرس الكتاب
قال الواقدي: ثم همَّ أبو عبيدة - رضي الله عنه - بالرحيل إلى حمص، وإذ قد ورد عليه صاحب عين الجوز يطلب منه الصلح فصالحه على نصف ما صالحه عليه أهل بعلبك وولى عليهم سالم بن ذؤيب السلمي وأوصاه بمثل ما أوصى به رافع بن عبد الله ورحل الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - يطلب حمص، فلما وصل إلى بين الرأس والكفيلة لاقاه صاحب الجوسية ومعه هدية كثيرة فقبلها منه وجدد معه صلحًا، وسار الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - حتى نزل على حمص.
قال الواقدي: حدثنا حبان بن تميم الثقفي قال: كنت فيمن أقام مع رافع بن عبد الله السهمي في جملة أصحابه، وذلك أننا نصبنا بيوت الشعر على العمد وأقمنا خارج المدينة لا يدخل إليها أحد منا، ونحن مع ذلك نشن الغارة على سواحل الروم ونكبس على العرب التي لم تكن في صلحنا، وكنا إذا خرجنا في سرية نبيع الغنائم في بعلبك، ففرح أهلها ببيعنا وشرائنا ووجدونا قومًا ليس فينا كذب ولا خيانة ولا نريد ظلم أحد وطابت قلوبهم وربحوا في تلك المدة اليسيرة مالًا عظيمًا. فلما نظر البطريق هربيس إلى ما ربح أهل بعلبك منَّا في تجارتهم ورخص ما يشترونه منَّا جمعهم إليه في كنيسة المدينة -وهي الجامع اليوم- وكان ذلك بميعاد وعدهم فيه الاجتماع، فلما اجتمعوا عنده أقبل عليهم وقال للتجار والباعة والسوقة: لقد علمتم أني قد اجتهدت في أموركم وحرصت على سلامة نفوسكم وأهاليكم وأولادكم وأنتم تعلمون ما ذهب مني من المال، وأنا اليوم واحد منكم وقد سلمت مالي وسلاحي وقتل أكثر غلماني ورجالي وبنو عمي وأنتم قوم قد أصبتم مع هؤلاء العرب خيرًا كثيرا في هذه التجارات وقد أديت وحدي ربع المال! فقالوا: صدقت أيها البطريق وقد عرفنا كل ما وصفت فما الذي تريد الآن؟ فقال: يا قوم إنما كنت قبل هذا اليوم بطريقكم وأنا اليوم واحد منكم وأريد أن تردوا علي بعض ما بذلت من المال للعرب.
فقالوا: أيها البطريق وأنَّى لك بذلك؟ فقال البطريق: يا قوم لست أكلفكم أن تخرجوا من أموالكم ولا مما حوته منازلكم شيئًا، وإنما أريد أن تجعلوا في هذه البيوع والأشربة العشر مما تأخذون وتعطون. قال فاضطرب القوم اضطرابًا شديدًا لذلك وعظم عليهم وأقبل بعضهم على بعض وقالوا: يا قوم هذا رجل منا وصاحب ملكنا وقد اجتهد في أمورنا وحامى بماله ونفسه عنا وما عسى يصيب منا في مالنا. قال فأجابوه إلى ذلك وجعلوا له عليهم العشر فنصَّب عليهم من قبله عشارًا، يأخذ منهم أعشارهم ويجمعها ويحملها إليه فأقام على ذلك أربعين يومًا، فلما نظر هربيس إلى كثرة ما قد اجتمع له من مال العشر قال: أنا أعلم أن هذه