فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 611

أيها الأمير. فقال خالد: أنت لها والله، ولكن يا ضرار إذا أشرفت على القوم فإياك أن تحمل نفسك ما لا تطيق، وأن تغرر بنفسك وتحمل على القوم فما أمرك الله بذلك، فقد قال الله تعالى:"وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة:195) ، قال فأطلق ضرار عنان جواده حتى أشرف على جيش الروم فرأى أثاثهم وخيامهم وشعاع البيض والطوارق كأجنحة الطيور.

وكان وردان ينظر نحو جيش المسلمين إذ نظر إلى ضرار، وهو مشرف على القوم، فقال للبطارقة: إني أرى فارسًا قد أقبل ولست أشك أنه طليعة القوم فأيكم يأتيني به؟ فانتدب من القوم ثلاثين فارسًا طلبوا ضرارًا، فلما نظر إليهم ضرار ولى من بين أيديهم فتبعوه وظنوا أنه قد انهزم، وإنما أراد بذلك أن يبعدهم عن أصحابهم، فلما بعدوا علم أنه تمكن منهم فلوى رأس جواده إليهم وصوب السنان عليهم، فأول من طعن فارسًا من القوم أرداه وثنى على الآخر فأعدمه الحياة وصال فيهم صولة الأسد على الغنم ودخل رعبه في قلوبهم فولَّوا منهزمين فتبعهم، وهو يصرع منهم فارسًا بعد فارس إلى أن صرع منهم تسعة عشر فارسًا. فلما رأوا ذلك وقرب هو من جيوش الروم لوى راجعًا إلى خالد ومعه أسلابهم وخيولهم وأعلمه بما كان، فقال له خالد: ألم أقل لك لا تغرر بنفسك ولا تحمل عليهم، فقال: إن القوم طلبوني فخفت أن يراني الله منهزمًا فجاهدت بإخلاص ولا جرم أن الله ينصرنا عليهم والله لولا خوفي من ملامك لأحملن على الجميع. واعلم أن القوم غنيمة لنا. فرتب خالد عسكره ميمنة وميسرة وقلبًا وجناحين فجعل في القلب معاذ بن جبل وفي الميمنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وفي الميسرة سعيد بن عامر وفي الجناح الأيسر شرحبيل بن حسنة، وفي الساقة يزيد بن أبي سفيان في أربعة آلاف فارس حول الحريم والبنات والأولاد، ثم التفت إلى النسوة وهن عفراء بنت غفار الحميرية وأم أبان ابنة عتبة وكانت عروسًا قد تزوج بها في هذا اليوم أبان بن سعيد بن العاص والخضاب في يدها والعطر في رأسها، وخولة بنت الأزور ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت زارع وغيرهن من النسوة ممن عرفن بالشجاعة والبراعة.

فقال لهنَّ خالد: يا بنات العمالقة وبقية التبابعة قد فعلتنَّ فعلًا أرضيتن به الله تعالى والمسلمين، وقد بقي لكن الذكر الجميل، وهذه أبواب الجنة قد فتحت لكنَّ، وأبواب النار قد أغلقت عنكنَّ وفتحت لأعدائكنَّ، واعلمن أنِّي أثق بكنَّ. فإن حملت طائفة من الروم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت