فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 611

قال الراوي: وأتت إليه أهل رشيد وفوة والمحلة ودميرة وسمنود وجرجة ودمنهور وأبيار والمجيرة وصالحوه على بلادهم. ثم إنه بعث المقداد ومعه أربعون فارسًا منهم ضرار وكعب وسعيد ويزيد وصعصعة وغيرهم وأمرهم بالمسير إلى دمياط وأمر عليهم المقداد بن الأسود الكندي فساروا إلى البرلس، ودمياط كان بها خال الملك المقوقس، وكان عسكره اثني عشر ألفًا، وكان قد حصَّن البلد وجمع فيها من آلة الحصار من الزاد وغيره، فلما أشرف عليه الصحابة ونظر إلى قلتهم ضحك وقال: إن قومًا ينفذون إلينا منهم أربعين ليملكوا بلدنا إنهم لفي عجز وقلة عقل! وكان ولده الأكبر فارسًا مشهورًا في جميع بلاد النيل وكان اسمه"هريرا"وكان يثق به وبشجاعته وبراعته وليس في عينيه الفرسان شيئًا، فلما رأى الصحابة وهم أربعون قفز إليهم وهو لابس لأمة حربه وطلب البراز فخرج إليه ضرار بن الأزور وحمل عليه فطعنه فقتله وحمل على عسكر دمياط فألجأهم إلى حيطان البلد وهو كأنه النار في الحطب فاستعاذ منه الجيش.

ثم إن خال الملك وكان اسمه"البامرك"اجتمع بأرباب دولته وقد صعب عليه قتل ولده وكان عندهم حكيم يثقون به وبرأيه ويعتمدون على عقله فأحضروه، وقالوا له: أيها الحكيم العالم ما الذي تشير به علينا في أمر هؤلاء العرب؟ فقال: أيها الملك إن جوهر العقل لا قيمة له وما استضاء به أحد إلا هداه إلى سبيل نجاته وقاده إلى معالم مصالحه، وهؤلاء القوم لا تذل لهم راية ولا تلحق لهم غاية، قد فتحوا البلاد وأذلوا العباد، واشتهر أمرهم وعلا ذكرهم، وفشا خبرهم وعلت كلمتهم، وطافت الأرض دعوتهم، فما أحد يقدر عليهم، ولا يصل إليهم، وما نحن بأشد من جيوش الشام ولا أمنع بلدًا وهؤلاء القوم قد أيدوا بالنصر وغلبوا بالقهر وقد بلغك ما هم عليه من الدين والصيانة، والصدق والأمانة، والرأي عندي أن تصالحهم لتنال بذلك الأمن وحقن الدماء وصون الحريم ودفع الأمر العظيم ونكون قد صالحناهم ودفعناهم بشيء من مالنا.

فلما سمع"البامرك"ذلك من الحكيم أمر بضرب عنقه فلما عرف الحكيم أن المنية قد غشيته قال: اللهم إني بريء مما يشركون بك لا شريك لك ولا ولد ولا صاحبة لك، وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فلما سمع البامرك كلامه ضربه فقتله وأمرهم بأن يأخذوا على أنفسهم للحرب. فلما كان الغد خرجوا إلى ظاهر دمياط ونصبوا خيامهم. وكان للحكيم ولد ورث فضائل أبيه، وكان فيه فطنة وعقل وتدبير، فلما قتل أبوه أظهر الفرح والدعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت