فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 611

للملك البامرك، وقال: لقد أراحني الملك منه ومن شره فبلغ البامرك ما قاله ابن الحكيم فأرسل إليه وخلع عليه وطيب قلبه! فلما كان الليل قال: والله لآخذن بثأر أبي من هذا اللعين ومن أولاده، وكانت داره ملاصقة للسور فنقب نقبًا واسعًا وخرج منه وقصد الصحابة، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: إن أبي قد قتل من أجلكم وقد نقبت نقبًا وخرجت منه فقوموا حتى تملكوا المدينة منه. فقال له ضرار: يا ويلك، وإن الذي بعثك بهذه الحيلة أراد قتلك أما علمت أن الحذر شعارنا واليقظة دثارنا، وهمَّ بقتله!

فقال له المقداد: أمهل يا ضرار وفقك الله إلى الخير ووقاك الألم والضير. ثم قال المقداد: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وهو يشير إلى شخص بين يديه وكأنما يقول على زي هذا الغلام، وكأنما أتأمل إلى هذا الغلام فرأيته على ما هو عليه الآن وكان على وسطه منطقة من الأديم وفيها حلق فضة وهي تحت أثوابه. ثم إن المقداد قال: يا غلام اكشف عن أثوابك فكشف عن أثوابه وإذا المنطقة بعينها، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقام المسلمون فصافحوه ومضى الغلام أمامهم إلى أن دخل بهم النقب ووسعوه بأيديهم حتى دخلت خيولهم ثم ردوا الحجارة والطين والبناء على حاله وأعمى الله أبصار القوم عنهم؟ فلما كان الغد نظر أعداء الله فلم يروا للصحابة أثرًا ولا خبرًا فضجوا بكلمة كفرهم وماجوا. وقالوا: هربت العرب، ووقع الصائح في العسكر فظهر أهل البلد ليقفوا على صحة الخبر، ولم يبق في البلد سوى النساء والأطفال.

قال ابن إسحق: وكان للحكيم بنو عم ثمانون رجلًا وأن ولده طاف عليهم بالليل وأعلمهم بما فعل فأقبلوا معه وأسلموا عن آخرهم، فلما كان الغد وخرج كل من في البلد بادر بنو عم الحكيم وإخوته إلى الأبواب فأغلقوها وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فوقعت الخمدة على النساء والصبيان واستوثق القوم من المدينة بالثمانين رجلًا فأمسكوهم الأبواب، وخرج الصحابة - رضي الله عنهم - ورفعوا أصواتهم يكبرون ويدعون الله - عز وجل -، فلما نظر لهم أهل البلد علموا أنهم قد ملكوها وأن الذي فعل ذلك بنو عم الديرجان الحكيم وقد أغلقوا الأبواب وقفلوها وملكوا السور، فوقف الملك ينظر إلى ما فعله الصحابة وعلم أن المدينة أخذت منهم وكان في أولاده ولد عاقل لبيب وكان منذ نشأ يتبع العلماء ويجالسهم ويطلب العلم ومنذ ملك عقله ما أكل لحم خنزير ولا سجد لصورة ولا لصليب، وكان قد همَّ أن يبني صومعة وينفرد فيها فلم يمكنه أبوه من فرط محبته له وكان لا يستطيع فراقه وهذا الغلام اسمه"شطا"وكان يحب أن يسمع أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبحث عنها، فلما نظر إلى الصحابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت