فهرس الكتاب
السهمي وصاح بالعلج فأدهشه، فالتفت إليه وسار النخعي إلى أن وصل عسكر المسلمين. وحمل عبد الله بن حذافة على العلج وحمل العلج عليه وصعب بينهما المجال وصار عبد الله كلما ضرب العلج لا يقطع فيه شيئًا والعلج كلما ضرب عبد الله يأخذها بحجفته فتوهن ساعده من ثقل العمود وطال بينهما القتال والتقيا بضربتين فبادر عبد الله بالضربة تحت لحيته فطلب بها نحره فلحق رأس سيفه رقبة العلج فطار رأسه عن بدنه، وأراد الفرس أن يرجع إلى عسكر الروم فأخذه عبد الله ونزل إليه وأخذ سلبه ورجع إلى المسلمين فعظم ذلك على الروم وكان عندهم وعند الملك معظَّمًا! فبرز بطريق آخر وقال: هذا صاحب الملك قد قتل ولابد لي من أخذ ثأره من الذي قتله إما بقتله أو أسره وأبعث به إلى الملك يصنع به ما يريد. ثم أنه أتى البطريق المقتول ورأسه طائح عن بدنه فبكى عليه وقال بلسان فصيح: معاشر العرب لاشك أن الله سيهلككم ببغيكم علينا وفعالكم بنا فليبرز إليَّ قاتل هذا البطريق حتى آخذ منه بثأره. فلما همَّ عبد الله بن حذافة بالخروج منعه ميسرة شفقة عليه لأجل راحته فإنه تعب، وأراد أن يلقاه بنفسه. فقال عبد الله: يدعوني أيها الأمير باسمي وأتخلف، إنني إذًا لعاجز! فقال له ميسرة إنني أشفق عليك. فقال عبد الله: أتشفق عليَّ من تعب الدنيا ولا تشفق عليَّ من حر النار؟!
ثم برز إليه وتحته فرس المقتول وما غيَّر من لأمته شيئًا وبيده سيفه وحجفته، فلما التقيا ورأى البطريق فرس صاحبه علم أنه قاتله فلم يمهله حتى نفر إليه وحمل على عبد الله كأنه جبل قد انهدَّ من علو وتشبث به وجذبه فأخذه أسيرًا وذهب به إلى قومه وقال:"أوثقوه بالحديد واحملوه على خيل البريد واذهبوا به إلى الملك في هذه الساعة"، ففعلوا ذلك وساروا به، ورجع البطريق إلى الميدان وهو يفتخر بما صنع فأراده ثلاثة من المسلمين كل منهم يريد أن يخرج إليه فقال ميسرة: ما يخرج لهذا اللعين غيري واستدعى سعيد بن زيد وسلم الراية إليه، وقال له: كن للراية حافظًا حتى أخرج إلى هذا اللعين، فإن عدت أخذتها، وإن قتلني فأجري على الله. فأخذ سعيد الراية وخرج ميسرة إلى البطريق، وهو يقول:
قد علم المهيمن الجبار ... بأن قلبي قد كوي بالنار
على الفتى القائم بالأسحار ... سيعلم العلج أخو الأشرار
وحمل عليه وتجاولا طويلًا وعظم الأمر بينهما وتدانيا وتقاربا وتباعدا وغابا عن الأبصار تحت الغبار وكل فرقة تنظر إلى صاحبها وتدعو له، ثم انكشفا وهما للتفرق أقرب منهما