فهرس الكتاب
الشدائد فقال عزَّ من قائل:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، وقال:"إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ". وأما أنا فأحبس على الجهاد في سبيل الله ولا أبخل على الله ورسوله فلعل الله أن ينجيني من النار ويرزقني الشهادة! ثم أسرع إلى خيمته ولبس لأمته وقلنسوته المباركة وركب جواده، فوقع النفير في الناس. قال: فأقبلوا من كل جانب فلولا أن منعهم أبو عبيدة كانوا ساروا بأجمعهم. فانتخب منهم ثلاثة آلاف فارس وأردفهم بألفين آخرين.
.عن عياض عمَّن حدثه قال: لما سار خالد بالجيش لمعونة ميسرة بن مسروق ومن معه، رفع خالد يديه إلى السماء وقال:"اللهم اجعل لنا إليهم سبيلًا واطو لنا البعيد ويسر لنا كل صعب شديد"، وسار نحو الدروب. وأما أبو عبيدة فقد سجد سجدة أطال فيها، وقال:"اللهم إني أسألك بمن جعلت اسمه مع اسمك وعرَّفت فضله لأنبيائك ورسلك إلا طويت لهم البعيد، وسهلت لهم كل صعب شديد، وألحقتهم بأصحابهم يا قريب يا مجيب". وأما ميسرة ومن معه فإنهم دارت بهم الروم من كل جانب وهم يقاتلون في كل يوم أشد القتال إلى أن يقبل الظلام فيفترقون، وفي كل يوم يزيد عددهم وملأهم وقد لحق المسلمون من التعب والجراح ما لحقهم ولكن من غير فشل، وكأنهم قوم قد حجب عنهم الموت بإذن الله تعالى.
.عن سليمان بن عامر الأنصاري قال: كنت مع ميسرة في وقعة مرج القبائل ويوم حطمنا أغمدة السيوف والروم تقبل من كل جانب ومكان إلى المسلمين ونحن نباكر القتال ونروح رواحًا! فخرج يومًا من الأيام بطريق من الروم قد لبس درعين وعليه سواعد من الحديد وعلى رأسه بيضة تلمع فوقها صليب من الجوهر وبيده عمود من الحديد كأنه ذراع بعير فجال بين الصفوف وطلب البراز وكان أحد الثلاثة المقدمين على الثلاثين ألفًا. فجعل يدعو إلى البراز ويطمطم، فقال ميسرة للترجمان: ما يقول هذا الأغلف؟ قال: إنه يذكر أنه فارس شديد ويطلب شجعانكم وأبطالكم. فقال ميسرة: من يبرز إليه؟ فأسرع إليه رجل من المسلمين من قبيلة النخع وعليه درع من دروع الروم وثياب من ثيابهم. فقلنا: إنه من المتنصرة وقد عاد إلى الإسلام. فجعل العلج يتكلم وهو يظن أنه يفهم كلامه، فلما رآه لا يبرز إليه حمل عليه وضربه بعموده فزاغ النخعي عنها وعطلها عليه فوقع العمود على رأس جواده فصرع الجواد براكبه، وسار النخعي على قدميه فناداه ميسرة: يا أخا النخع ارجع، فرجع القهقرى والعلج يطلبه، والنخعي راجل والعلج فارس، فسار إليه عبد الله بن حذافة