فهرس الكتاب
قال ابن إسحق الأموي - رضي الله عنه: لما ورد المنهزمون على الملك وأخبروه بما تم عليهم وعلى ابنته ... ضاق صدره وبقي متفكرًا فيما يصنع وليس له نية في القتال مع الصحابة فبينما هو متفكر إذ جاءه البشير بقدوم ابنته وما معها فخف عنه بعض ما كان يجده، فلما دخل عليه قيس رفع مجلسه فوق الملوك والحجاب وأرباب دولته وكانوا قد اجتمعوا يهنئونه بابنته، فلما حضر قيس بن سعد سأله الملك عن أشياء لعل أصحابه أن تلين قلوبهم إلى الإسلام. فقال: يا أخا العرب أخبرني عن صاحبكم ما الذي كان يركب من الخيل؟ قال: الأشقر الأرتم المحجل في الساق وكان اسمه المترجل. فقال: لقد بلغنا أنه كان لا يركب إلا الجمال. فقال قيس: إن الله أكرم الإبل وشرفها قال لها: كوني فكانت وأخرج ناقة من الصخر وخص بها العرب من دون غيرهم من بني آدم وكان يركبها لكونها قد جعلها الله مباركة تقنع بما تجد وتصبر على الحمل الثقيل والسير الشديد وتصبر على الماء أيامًا وقد ذكرها ربنا في قوله في كتابه العزيز، فقال:"وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، وقال:"وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ".
ولما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزواته غزوة بدر كان معه مائة ناضح من الإبل وكانمعه فرسان يركب أحدهما المقداد بن الأسود الكندي ويركب الآخر مصعب بن عمير وإنِّا لقينا قريشًا في عددها وعديدها فهربوا ببركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أصحابه يتعاقبون في الطريق، وكان عليه الصلاة والسلام وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب وغيرهم يتعاقبون شامخًا، وكان أيها الملك يركب الحمار الذي أهديته إليه ويردف وراءه معاذ بن جبل، وعلى الحمار ركاب من ليف وخطامه ليف، واعلم يا ملك القبط أنه كان يخصف نعله ويرقِّع ثوبه ويقول:"من رغب عن سنتي فليس مني"، وكان قميصه من القطن قصير الطول والكفين ليس له أزرار، ولقد أهدى إليه ذو يزن جبة اشتراها له قومه بثلاثة وثلاثين بعيرًا فلبسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة وأهدى له جبة من الشام فلبسها حتى تخرقت، وخفين فلبسهما حتى تخرقا، وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان ونصف، وكان له ثوب خز يلبسه للوفد إذا قدموا عليه، وكان أفصح الناس إذا تكلم بكلمة يرددها ثلاثًا، وكلما رأى قومًا سلم عليهم، ورأيته كلما تحدث تبسم في حديثه، وكان إذا اجتمع إليه أصحابه وأراد أن ينهض. قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك