فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 611

وأتوب إليك، قلنا: يا رسول الله إن هذه الكلمات اتخذتهن عادة. قال: أمرني بهن جبريل وأخرجت لنا زوجته لما قبض كساء وإزارًا غليظين، وقالت: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوق هذين!

فقال المقوقس: هذه والله أخلاق الأنبياء فطوبى لمن اتبعه، فإن أمته هي الأمة الموصوفة في الإنجيل، فقال بعض من حضر: أيها الملك ما تكون أمة عند الله أفضل من هذه الأمة وهُمْ نحن فغضب الملك من قوله، وقال: وبأي شيء أنتم أفضل عند الله؟! أبأكلكم الحرام وارتكابكم الآثام وصنعكم المنكرات وتجنبكم الحسنات، وظلمكم في الرعية وميلكم إلى الدنيا!! أين أنتم من قوم عبر عليهم الإسكندر فرآهم ليس بينهم قاض ولا حاكم ولا أمير قائم عليه ولا فيهم من يختص بالغنى دون أخيه، بل هم سواء في كل ما هم فيه، أكلهم وشربهم واحد غير متناف، ولا متضاد وملبسهم غير متناف ولا متباعد، فتعجب الإسكندر منهم وسأل الأكابر منهم عما رآه من أحوالهم.

فقالوا: أيها الملك إنا وجدنا جمجمة وعليها مكتوب: يا ابن آدم ما خلقت إلا من التراب، وقد خلوت بما قدمت إما صالحًا فيسرك، وإما طالحًا فيضرك فتندم حيث لا ينفعك الندم ولم يكن لك إلى الدنيا مرجع، فطوبى للكيس العاقل الذي ليس ببليد ولا غافل، يتزود إلى ما إليه يصير ولا يلقي الاتكال على التقصير، فبادر إلى الخير قبل الموت، واغتنم حياتك قبل الفوت، وكأنك بالحي وقد هلك وترك كل ما ملك، فلما قرأنا هذا اعتبرنا أيها الملك بهذه الموعظة البالغة ولبسنا أثوابها السابغة! فقال المقوقس لقيس بن سعد: يا أخا العرب ارجع إلى أصحابك وأخبرهم بما سمعت وبما رأيت وانظر فيما يستقر عندكم وبينكم. فقال قيس: أيها الملك لابد لنا منكم ولا ينجيكم منا إلا الإسلام أو أداء الجزية أو القتال. فقال المقوقس: أنا أعرض ذلك عليهم واعلم أنهم لا يجيبون لأن قلوبهم قاسية من أكل الحرام.

حدثنا ابن إسحق - رضي الله عنه - حدثنا عبد الله بن سهل عن علي بن حاطب عن سليمان بن يحيى قال: إن الملك المقوقس كان من عادته أنه في شهر رمضان لا يخرج إلى رعيته، ولا يظهر لأحد من أرباب دولته، ولا أحد منهم يعلم ما كان يصنع، وكانت مخاطبته لقيس بن سعد في أواخر شعبان سنة عشرين من الهجرة، فخرج قيس من عنده ومضى إلى عمرو بن العاص وحدثه بما كان منه.

قال ابن إسحق: وكان ولي عهد الملك ولده"أسطوليس"وكان جبارًا عنيدًا وأنه لما سمع ما تحدث به أبوه رأى ميله إلى الإسلام وعلم أنه لا يقاتلهم وربما أسلم وسلم إليهم ملكه، فصبر إلى أن دخل أبوه إلى خلوته التي اعتاد أن يدخلها ويختلي فيها كل سنة فجمع أرباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت