فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 611

قال سبيع بن ضمرة الحراني: كنت مع عمرو بن العاص حين سار إلى قيسارية فدخلنا قرية من قرى الشام، وكان البرد شديدًا ونظرنا إلى كرومها ونظرت إلى كرمة في دار من دور القرية وفيها عناقيد مدلاة أكبر ما يكون فأخذنا منها وأكلنا فبردنا ولحقنا البرد الشديد من شدة برد ذلك العنقود. فقلت: قبَّح الله هؤلاء الملاعين بلدهم بارد وعنبهم بارد وماؤهم بارد وأنا أخاف الهلاك من شدة برد بلادهم! فسمعني رجل من أهل البلد فأراد أن يقرب إليَّ لأداعبه، فقال لي: يا أخا العرب إن كنت تجد البرد من العنب فاشرب من مائه. قال سبيع: ثم إنه دلنا على دن كبير فيه خمر فشربت أنا وجماعة من عرب اليمن فسكرنا فجعلنا نتمايل سكرًا فأخبر بذلك عمرو بن العاص، فكتب إلى أبي عبيدة يعلمه بذلك فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فمن شربها فحدَّه عليها وأقم حدود الله كما أمر، ولا تخش لومة لائم. فلما وصل الكتاب إلى عمرو دعا بسبيع بن ضمرة وأصحابه فجلدهم بالسياط.

قال سبيع: فلما ضربني عمرو وأوجعني قلت: والله لأقتلن العلج الذي دلنا على الخمر حتى شربناها وأكلنا الحد! فأخذت سيفي ودخلت القرية أطلب العلج فلما رأيته ووقعت عيني عليه أردت قتله فولى هاربًا فتبعته وهو يقول: ما ذنبي عندك؟ فقلت: أنت دللتني على ما يغضب الله حتى أكلت الضرب، فقال: والله ما علمت أنه محرم عليكم. فناداني عبادة بن الصامت وقال: يا سبيع إياك أن تقتله فإنه تحت الذمة. فتركته ومضى العلج وأتى إليَّ بتين وجوز وزبيب وقال: كل هذا بذاك فإنه يدفئك. فأكلته فوجدته طيبًا فقلت: لحاك الله أين هذا كان قبل أن أضرب بالسياط؟

قال الواقدي: ثم إن عَمْرًا ارتحل فنزل بموضع يقال له"محل"وبلغ الخبر فلسطين بن هرقل، وكان قد أتاه المنهزمون من عسكر أبيه ولجؤوا إليه واكتمل جيشه في ثمانين ألفًا، ثم إنه دعا برجل من المتنصرة وقال له: امض واحزر لي عسكر العرب واكشف لي أخبارهم، فوصل إليهم ولجأ إلى قوم من اليمن وهم يصطلون حول النار، فجلس بينهم يسمع حديثهم، فلما أراد القيام عثر في ذيله فقال: باسم الصليب كلمة أجراها الله على لسانه، فلما سمعوا قوله علموا أنه متنصر جاسوس للروم فوثبوا إليه وقتلوه ووقع الصائح في العسكر فسمع عمرو الضجة. فقال: ما الخبر؟ قيل: إن قومًا من اليمن وقعوا بجاسوس من الروم فقتلوه. فغضب عمرو وطلبهم، وقال: ما حملكم على قتل الجاسوس، وهلا أتيتموني به لأستخبره؟ فكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت