فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 611

من عين تكون علينا ثم إنها ترجع فتصير لنا، لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء. ثم إنه نادى في جيشه: من وقع بغريب أو جاسوس فليأت به إليَّ.

وإنَّ فلسطين استبطأ الجاسوس فعلم بقتله فأرسل غيره فأشرف على القوم من فوق شرف عال وحزرهم وعاد إليه فأخبره أنهم في خمسة آلاف، إلا أنهم كالأسود الضارية أو كالعقبان الكاسرة، فلما سمع ذلك قال: وحق المسيح والقربان لابد من قتالهم. فإما أن أبلغ المراد أو أموت صبرًا، ثم إنه جمع عسكره واختار منهم عشرة آلاف فارس شدادًا وولى عليهم بطريقًا اسمه"بكلاكون"وهو صاحب جيشه وقال: سر بهؤلاء فأنت طليعة جيشي! فسار من ساعته. ثم إنه عقد صليبًا آخر وسلمه إلى دمستق العسكر واسمه"جرجيس بن باكور"وضم إليه عشرة آلاف وقال له: الحق بصاحبك. فسار في أثره. فلما كان في اليوم الثاني خرج فلسطين ببقية الجيش وترك ابن عمه"قسطاس"في قيسارية يحفظها وترك عنده عشرة آلاف. قال بشار بن عوف: فبينما نحن نازلون إذ أشرف علينا البطريق الأول في عشرة آلاف فارس، فلما قربوا منَّا رأيناهم فحزرناهم فإذا هم عشرة آلاف. ففرحنا وقلنا: نحن خمسة آلاف وعدونا في عشرة آلاف، فكل رجل منَّا يقاتل اثنين.

فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا البطريق الثاني في عشرة آلاف، فقال عمرو - رضي الله عنه: اعلموا أن من أراد الله واليوم الآخر فلا يرتاع من كثرة العدو ولو تزايد المدد، فإن الجهاد أوفر متجرًا وأعز قدرًا، وأي فخر عند الله ممن يقتل في سبيل الله وصفوف الكفار ويكون حيًا عند الله يرتع في مروج الجنة وينال من الله سابغ النعمة والمنة؟! فقد قال الله تعالى:"وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ..."، ولو أن الجاسوس الذي قتلتموه لم تعجلوا عليه لأخبرنا بمسير هذا الجيش إلينا وكثرته، وكنا قد أخذنا حذرنا على أنفسنا واحتطنا، ولكن أمر الله لا يرد. ثم إنه جمع أبطال الموحدين، وقال: قد رأيت أن ننفذ إلى أبي عبيدة نعلمه ليمدنا بالخيل والرجال، فإن هذا جيش عظيم. ثم قال: أيها الناس من يركب ويسير إلى الأمير أبي عبيدة ويعلمه بما قد صرنا إليه، فلعله أن ينجدنا كما أنجد يزيد بن أبي سفيان وهو محاصر قنسرين وأجره على الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت