فهرس الكتاب
وكان حنا أسد في المقدمة وأبو عبيدة يمشي مع الأموال والأغنام والجمال إذ نظر رجل من أصحابه، وهو يتأمل الغبرة من ورائهم، فسأله أبو عبيدة عن ذلك فقال: أظنها غبرة القوم. فقال أبو عبيدة: إن أهل الشام قد طمعوا فينا، وهذا العدو قاصد إلينا. فما استتم كلامه حتى بدت الخيل كأنها السيل وبولص في أوائلهم. فلما نظر إلى أبي عبيدة قصد ومعه الفرسان وأخوه بطرس قصد الحريم والمال فاقتطعوا منها قطعة. فلما احتوى عليها رجع بها بطرس نحو دمشق. فلما بعد جلس هناك لينظر ما يكون من أمر أخيه. وأما أبو عبيدة فإنه لما نظر إلى ما فاجأه من الروم. قال: والله لقد كان الصواب مع خالد لما قال دعني في الساقة فلم أدعه وإنه قد وصل إليه بولص وقصده والأعلام والصلبان على رأسه مشتبكة والنساء يولولن والصبيان يصيحون! والألف من المسلمين قد اشتغلوا بالقتال، وقد قصد عدو الله بولص أبا عبيدة واشتدت بينهم الحرب ووقع القتال بين أصحابه والروم وارتفعت الغبرة عليهم وهم في كرٍّ وفرٍّ على أرض سحورا. وقد بُلىَ أبو عبيدة بالقتال وصبر صبر الكرام.
قال سهيل بن صباح: وكان تحتي جواد محجل من خيل اليمن شهدت عليه اليمامة فقومت السنان وأطلقت العنان فخرج كأنه الريح العاصف، فما كان غير بعيد حتى لحقت بخالد بن الوليد والمسلمين فأقبلت إليهم صارخًا وقلت: أيها الأمير أدرك الأموال والحريم. فقال خالد: ما وراءك يا ابن الصباح؟ فقلت: أيها الأمير الحق أبا عبيدة والحريم فإن نفير دمشق قد لحق بهم، وقد اقتطعوا قطعة من النسوان والولدان وقد بلى أبو عبيدة بما لا طاقة لنا به. فلما سمع خالد ذلك الكلام من سهيل بن صباح قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قد قلت لأبي عبيدة دعني أكون على الساقة، فما طاوعني ليقضي الله أمرًا كان مفعوَّلًا، ثم أمر رافع بن عميرة على ألف من الخيل وقال له: كن في المقدمة! وأمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على ألفين وقال له: أدرك العدو، وسار خالد في أثره ببقية الجيش.
فبينما أبو عبيدة في القتال مع بولص -لعنه الله- إذ تلاحقت به جيوش المسلمين وحملوا على أعداء الله وداروا بهم من كل مكان، فعند ذلك تنكست الصلبان، وأيقن الروم بالهوان، وتقدم ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار وقصد نحو بولص. فلما رآه عدو الله تبلبل خاطره ووقعت الرعدة في فرائصه، وقال لأبي عبيدة: يا عربي وحق دينك إلا ما قلت لهذا الشيطان يبعد عني وكان بولص قد سمع به ورآه من سور دمشق وما صنع بعسكر كلوس وعزازير وسمع بفعاله في بيت لاهيا، فلما رآه مقبلًا إليه عرفه. فقال لأبي عبيدة: قل لهذا الشيطان لا