فهرس الكتاب
المسلمين سمعت ضجة وجلبة وقد ارتفعت الأصوات فسألت رجلًا من أهل اليمن: ما سبب ذلك؟ قال: فرحًا بما فتح الله على المسلمين. وهذا خالد قد أتى وكان قد ضرب على شاطئ الفرات وأغار بخيله، وقد صالحه أهل منبج وبزاعة وبالس وأتى برجالهم وأموالهم وافتتحها صلحًا، في العشر الأوسط من المحرم سنة ثماني عشرة من الهجرة وصالحهم بعد رد أموالهم على مائة ألف وخمسين ألف دينار وأخذها بعد أن نزل صاحبهم جرفناس وسار بأموالهم وعبيده وخيوله إلى بلاد الروم وولى على منبج عباد بن رافع التميمي، وعلى الجسر نجم بن مفرج، وولى على بزاعة أوس بن خالد الرابعي، وعلى بالس بادر بن عوف الحميري، وبنى له بها قلعة إلى جانب بالس من الشرق وسماها باسمه، وعاد خالد بالأموال والأثقال يوم قدوم زيد بن وهب. قال: فأتيت أبا عبيدة وهو جالس وخالد إلى جانبه، وقد قدم مال الصلح فأنخت ناقتي وسلمت عليهم ودفعت الكتاب إلى أبي عبيدة ففضه وقرأه على المسلمين، فلما سمعت المسلمون ما فيه. قال أبو عبيدة: معاشر المسلمين إن أمير المؤمنين قد جعل أمر الدخول إلى الدروب إليَّ، وقال: أنت الشاهد وأنا الغائب وأنا لا أفعل شيئًا إلا برأيكم فما تشيرون عليَّ أن أفعل رحمكم الله؟ فلم يجبه أحد، وأعاد القول ثانية فلم يجبه أحد، والله أعلم.
فقال أبو عبيدة: معاشر المسلمين هذا الشام قد ملكتموه وملككم الله إياه وأخرج عدوكم منه بالذل والهوان، وأورثكم أرضهم وديارهم، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز، فما تشيرون به عليَّ؟ أندخل في هذه الدروب وراء أعدائنا؟ فلم يجبه أحد فأعاد كلامه، ثم قال: ما هذا السكوت؟! أفشل بكم بعد الشجاعة، أم كسل بعد النشاط؟! أم قد انتقيتم من الحسنات ولم يبق عليكم من الذنوب، وإن الحسنات لكم كثيرة، ولم يبق لديكم خطيئة؟! فالرغبة إلى الله أن يعينكم على الجهاد، فهو خير لكم من الدنيا وما فيها!
فكان أول من تكلم ميسرة بن مسروق العبسي، فقال: أيها الأمير إنا لم نسكت لجزع لحقنا ولا لفزع رهقنا، وإنما بعضنا ينتظر بعضًا إجلالًا وأدبًا، واعلم أيها الأمير أنه ما لنا تجارة ولا عمل غير الجهاد في أعداء الله، وها نحن لك وبين يديك، ومنك الأمر ومنا الطاعة لله ولرسوله ولك، وأما أنا فلا أملك إلا نفسي فوجهني حيث شئت تجدني طائعًا! فقال أبو