فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 611

أوانه! ثم جلس عمر على الأرض ودعا بدواة وقرطاس وكتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى عامله بالشام أبي عبيدة عامر بن الجراح، سلام عليك وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه، وأشكره على ما وهب من النصر للمسلمين، وجعل العاقبة للمتقين ولم يزل بنا لطيفًا معينًا. وأما قولك لم نقم بأنطاكية لطيبها، فإن الله - عز وجل - لم يحرم الطيبات على المؤمنين الذين يعملون الصالحات، فقال:"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا"، وقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ"، فكان يجب عليك أن تريح المسلمين من تعبهم وتدعهم يرغدون في مطعمهم ويريحون أبدانهم من نصب القتال مع من كفر بالله، وأما قولك إنك منتظر أمري فالذي آمرك به أن تدخل وراء العدو وتفتح الدروب فإنك الشاهد وأنا الغائب، وقد يرى الشاهد ما لا يراه الغائب، وأنت بحضرة عدوك وعيونك تأتيك بالأخبار، فإن رأيت أن دخولك إلى الدروب بالمسلمين صواب فابعث إليهم بالسرايا وادخل معهم إلى بلادهم وضيق عليهم المسالك، ومن طلب منك الصلح فصالحهم ووفِّ لهم بما تقدر.

وأما قولك إنَّ العرب أبصرت نساء الروم فرغبت في التزوج، فمن أحبَّ ذلك فدعه إن لم يكن له أهل بالحجاز، ومن أراد أن يشتري الإماء فدعه فإنَّ ذلك أصون لفروجهم وأعف لنفوسهم! وما تحتاج أن أوصيك في أمر فلنطانوس صاحب رومية أوسع عليه في النفقة وعلى من معه فإنه قد فارق أهله وملكه وأمره ونهيه والسلام عليك وعلى جميع المسلمين. وطوى الكتاب ودفعه لزيد بن وهب، وقال له: انطلق رحمك الله وأشرك عمر في ثوابك! فأخذ زيد الكتاب وهمَّ أن يسير فأمره أن يقف، وقال له: على رسلك حتى يزودك عمر من قوته، ثم أناخ راحلته وأخرج له تمرًا وأعطاه صاع تمر وصاع سويق وقال: يا زيد اعذر عمرًا فهذا ما أمكنه! ثم إنَّ عمر قبَّل رأس زيد بن وهب فبكى زيد، وقال: يا أمير المؤمنين أَوَبَلَغَ من قدري أن تقبَّل رأسي وأنت أمير المؤمنين وصاحب سيد المرسلين، وقد ختم الله بك الأربعين!! فبكى عمر وقال: أرجو أن يغفر الله لعمر بشهادتك. قال زيد بن وهب: فاستويت على كور ناقتي وهممت بالمسير فسمعته يقول: اللهم احمله عليها بالسلامة واطو له البعيد وسهل له القريب إنك على شيء قدير.

قال زيد بن وهب: ففرحت بدعوة عمر - رضي الله عنه - وعلمت أن الله لا يرد دعوته إذ كان لربه طائعًا ولنبيه تابعًا، فجعلت أسير والأرض تطوى لي تحت أخفاف مطيتي فكنت والله في اليوم الثالث عند أبي عبيدة، وقد رحل عن أنطاكية وقد نزلت على حازم. فلما وصلت إلى عساكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت