فهرس الكتاب
ورمحه وفرسه وبعيره ومزادته وقصعته ومصحفه، وكان الذي يصيبه من الغنائم لا يدخر منه ولا يأخذ إلا ما يقوته، وكان يفرق الباقي على قرابته وقومه، فإن فاض شيء يرسله إلى عمر - رضي الله عنه - يفرقه على فقراء المسلمين المهاجرين والأنصار. فلما أراد زيد أن يقبل يد سيده منعه، وقال له: ما الذي تريد؟ فقال: يا مولاي تأذن لي أن أكون رسولًا للمسلمين بشيرًا إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. فقال عمير بن سعيد: تريد أن تكون بشيرًا للمسلمين وأمنعك من ذلك. إني إذًا لآثم، امض فأنت حر لوجه الله تعالى، وأرجو بعتقك أن يجيرني الله من النار. ففرح زيد بذلك وعاد إلى أبي عبيدة فأخبره أن ببركة كتابه صار حرًا فسر أبو عبيدة وسار زيد على نجيب من نجب اليمن دفعه إليه وكان سابقًا. فجعل زيد يطلب أقرب الطرق حتى قدم المدينة ودخلها، وإذا بها ضجة عظيمة ولأهلها ضجيج وهم يهرعون نحو البقيع وقباء، فقلت لنفسي: إنَّ لهم أمرًا فتبعتهم لأرى ما شأنهم وأنا أحسب أنهم يريدون حربًا فرأيت رجلًا فعرفته فسلمت عليه فعرفني، وقال: أنت زيد؟ قلت: نعم. قال: الله أكبر ما وراءك يا زيد؟ قلت: البشارة والغنيمة والفتح.
قلت: ما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟ قال: إنه خارج يريد الحج ومعه أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يحج بهن والناس يشيعونه. قال زيد: فأنخت بعيري وعقلته وأسرعت مهرولًا حتى وقفت بين يدي عمر - رضي الله عنه - وهو يمشي راجلًا ووراءه مولاه يقود بعيره وقد رحله بعباءة قطوانية وزاده وجفنته عليه، والهوادج بين يديه سائرة، وعن يمينه علي بن أبي طالب، وعن يساره العباس بن عبد المطلب، ومن ورائه المهاجرون والأنصار وهو يوصيهم بالمدينة. فلما وقفت بين يديه ناديت: السلام عليك يا أمير المؤمنين أنا زيد بن وهب مولى عمير بن سعيد أتيتك بشيرًا. قال عمر: بشرك الله بخير فما بشارتك؟ قلت: هذا كتاب من عاملك أبي عبيدة يخبرك أن الله قد فتح على يديه أنطاكية. فلما سمع عمر ذكر أنطاكية وأن الله فتحها خرَّ لله ساجدًا يمرغ خديه على التراب، ثم إنه رفع رأسه من سجوده وقد تترب وجهه وشيبته، وهو يقول: اللهم لك الحمد والشكر على نعمك السابغة، ثم قال: هات الكتاب رحمك الله فناولته إياه، فلما قرأه بكى، فقال له عليٌّ كرم الله وجهه: مم بكاؤك؟! قال: مما صنع أبو عبيدة بالمسلمين وبما استعقب رأيه في الموحدين، ثم قال: إن النفس لأمارة بالسوء ودفع الكتاب إلى عليٍّ فقرأه على المسلمين إلى آخره.
قال زيد بن وهب: ثم رأيت عمرًا قد هدأ من بكائه، وقد زاد فرحه وأقبل عليَّ وقال: يا زيد إذا عدت فأمعن النظر في أتيانها وأعنابها واحمد الله كثيرًا، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس هذا