فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 611

إلى البترك في الليل وقالوا له: اخرج إلى هؤلاء العرب وصالح بيننا وبينهم على ما تقدر عليه. قال: فخرج البترك إلى أبي عبيدة وحدثه في الصلح فأجابه إلى ذلك، فكان جملة ما صالح عليه أهل أنطاكية ثلثمائة ألف مثقال من الذهب! فلما تقرر الصلح قال له أبو عبيدة: احلف لنا أنَّكم لا تغدرون بنا فإن مدينتكم مانعة كثيرة الجبال والوعر. فقال خالد: ومن يحلِّفه؟ فقال أبو عبيدة: يوقنَّا. فوضع يوقنَّا يده على رأس البترك فوق يده وقال: قل والله والله والله أربعين مرة، إننا لا نغدر بكم ولا كنَّا إلا معكم. فعندها قام أبو عبيدة ودخل أنطاكية وكان دخوله لخمسة أيام مضين من شعبان سنة 17 من الهجرة فدخلها وبين يديه اللواء الذي عقده له أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعن يمينه خالد بن الوليد وعن يساره ميسرة بن مسروق ودخلها والقراء بين يديه يقرؤون سورة الفتح، فلم يزل سائرًا حتى وصل إلى باب الجنان فنزل هناك وخط هناك مسجدًا وأمر ببنائه وبه يعرف إلى يومنا هذا.

قال ميسرة بن مسروق فنظرنا إلى بلد رطب طيب الهواء كثير الماء والخيرات، فاستطابه المسلمون ووددنا لو أقمنا فيه شهرًا لنستريح، فما تركنا أبو عبيدة فيه غير ثلاثة أيام، ثم إنه كتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: سلام عليك وإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأصلى على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأشكره على ما فتح علينا ورزقنا من الغنيمة والنصر وأعلمك يا أمير المؤمنين أن الله - عز وجل - قد فتح على المسلمين كرسي النصرانية -مدينة أنطاكية-، وكسر الله عسكرها، ونصرنا الله عليهم وهرب هرقل في البحر وإنِّي لم أقم بها لطيب هوائها، وإنِّي خشيت على المسلمين أن يغلب حب الدنيا على قلوبهم فيقطعهم عن طاعة ربهم، وإنِّي معوَّل على المسير إلى حلب وإنِّي منتظر أمرك، فإن أمرتني أن أسير إلى داخل الدروب فعلت، وإن أمرتني بالمقام أقمت، واعلم يا أمير المؤمنين أن العرب قد نظرت إلى بنات الروم فدعتهم أنفسهم إلى التزوج فمنعتهم من ذلك، وإنِّي أخشى عليهم الفتنة -إلا من عصمه الله-، فعجل إليَّ بأمرك والسلام عليك وعلى جميع المسلمين. وطوى الكتاب وختمه.

وقال: معاشر المسلمين من يسير بكتابي هذا إلى أمير المؤمنين؟ فأسرع بالإجابة زيد بن موهب مولى عمير بن سعيد مولى عمرو بن عوف، فقال: أنا أيها الأمير أوصله إن شاء الله تعالى، فقال أبو عبيدة: يا زيد أنت لست مالك نفسك، فإن أردت المسير فسل مولاك أن يأذن لك في ذلك! فأسرع زيد إلى مولاه عمير فانكب على يديه يقبلهما فمنعه من ذلك، وذلك أن عميرًا كان رجلًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة ما يملك من الدنيا سوى سيفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت