فهرس الكتاب
قال الواقدي: فبينما ضرار يحمل في الأعداء ويذيقهم شراب الردى وإذا هو بفارس يطحطح الكتائب ويفرِّق المواكب ويصيح واثارات ضرار بن الأزور، فتأمله فإذا هو أخته خولة فناداها:"دارك يا بنت الأزور أنا والله أخوك"، فأقبلت لتسلم عليه فقال لها: إليك عنِّي ما هذا وقت سلام! وإن قتال الكفر أفضل من كلامك يا بنت الأزور فاجعلي عنانك مع عناني وسنانك مع سناني وجاهدي في سبيل الله، فإن قتل أحدنا فالملتقى في الحشر عند حوض سيد البشر، فبينما هم في ذلك إذ نظر إلى جيوش الروم وقد تقهقرت وفرسانهم قد انهزمت، وكان السبب في ذلك أن صاحب رومية -رحمه الله- لما رأى الحرب قد أضرمت نيرانها وعلا دخانها حمل بأصحابه وقصد تاليس بن رينوس فقبض عليه وهو يظن أنه هرقل فصاح الصائح: إن الملك هرقل قد قبض عليه فلنطانوس ملك رومية وغدر به فولَّت الروم الأدبار، وقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة لم يقتل مثلها إلا بأجنادين واليرموك، وقتل من العرب المتنصرة زهاء من اثني عشر ألفًا وطلب جبلة ولده فلم ير لهم خبرًا فقيل إنهم وأكابر قومهم ركبوا مع الملك هرقل في المراكب، وكان جملة من هرب من سادات المتنصرة مع جبلة وابنه خمسمائة فسكنوا جزائر البحر فمن نسلهم هذه الإفرنج.
قال: وأخذ المسلمون ما كان من السرادقات والخيام والديباج والمتاع والخزائن وأسروا ثلاثين ألفًا، وقتلوا من الروم سبعين ألفًا، وولت العرب المتنصرة منهزمين، فمنهم من أخذ نحو الدروب ومنهم من طلب قيسارية إلى قسطنطين بن هرقل! فلما وضعت الحرب أوزارها وخمدت نارها جمعوا الأموال والأثقال والأسرى بين يدي أبي عبيدة، فلما نظر إلى ذلك سجد لله شكرًا وسلم المسلمون بعضهم على بعض، وجاء ضرار وأصحابه ويوقنَّا وفلنطانوس وأصحابهما وسلموا على المسلمين وفرحوا بهم، فلما وصل فلنطانوس قام إليه المسلمون وقال كبار الصحابة: سمعنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه". فنظر فلنطانوس إلى تواضعهم وحسن سيرتهم وكثرة عبادتهم فقال: هؤلاء والله القوم الذين بشر بهم عيسى - عليه السلام -، فأسلم بنو عمه عن آخرهم، وبعدها مضى فلنطانوس إلى مكة فحج، وزار قبر النبي المختار - صلى الله عليه وسلم -، وسلم على عمر - رضي الله عنه -، فلما رآه وثب إليه قائمًا وصافحه هو وجميع المسلمين، وعاد إلى بيت المقدس فجلس يعبد الله فيه حتى أتاه اليقين.
قال الواقدي: ونظر أبو عبيدة إلى جيش أنطاكية وقد تحصنوا فيها وهم لا يحصون فقال: اللهم اجعل لنا إلى فتحها من سبيل وافتح لنا فتحًا مبينًا. قال: وكان على أنطاكية بطريق اسمه صليب بن مرقس، وكان جاهلًا في رأيه فعزم على القتال من داخل السور فاجتمع أكابر البلد