فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 611

عبيدة: معاشر المسلمين من له رأي وحضرته مشورة فليقلها ويظهر ما عنده، فقال خالد: أيها الأمير إن إقامتنا عن طلب القوم وهن وعجز منا في ديننا وطلبهم هو الغنيمة، والنصر من عند الله، والذي أشير به أيها الأمير أن تبعث الجيوش في كل درب من هذه الدروب؛ فإن ذلك يوهن العدو وتقر به أعين المسلمين. فجزَّاه أبو عبيدة خيرًا، وقال: يا أبا سليمان! إني قد رأيت أن أعقد لميسرة عقدًا وأسير معه رجالًا لأنه هو أول من سارع إلى هذا الأمر وأشار به، فيفتح الله لهم الدروب ويغير على ما قرب من البلاد، ويرجع فيخبرنا عن خبرها فنعمل على حسب ما نرى. فقال خالد: هذا الصواب.

فعقد لميسرة وانتخب له من القبائل ثلاثة آلاف فارس من الشجعان وألف عبد من السودان، وجعل من كل قبيلة نقيبًا، وجعل على العبيد دامسًا أبا الهول، وقال: فلبسوا أكمل السلاح وكل منهم يقول إنه يلقى الكتيبة وحده، وجعل أمير القوم ميسرة، وقال أبو عبيدة: يا أبا الهول كن أنت بجماعتك في أوائل العسكر ولا تخالف ميسرة فيما أشار به، فإنه مبارك الطلعة. فقال: سمعًا وطاعة. وتجهز القوم. ثم إن خالدًا قال: أيها الأمير أرسل معهم أدلاء يعرفونهم الطريق ويكونون لهم عيونًا على أعدائهم، فطلب لهم من أهل حلب من المعاهدين من يكون ناصحًا لهم، فاختاروا لهم أربعة وأعطاهم أبو عبيدة وأحسن إليهم وطرح عنهم الجزية، وقال لهم: في أي درب يكون دخول المسلمين في طلب العدو؟ فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا في الدرب الأعظم من بلد"قورص". ثم إنهم قالوا: أيها الأمير إن هذه الدروب ليست كمثل البلاد التي فتحتموها بل هي بلاد شديدة البرد، كثيرة الشجر والمدر والحجر، وفيها مضايق وشعاب وأودية وكهوف وعقبات، فقال أهل اليمن: سيروا أنتم أمامنا فإنكم ترون منا عجبًا، فسار أبو الهول والمعاهدون أمامه، وسار ميسرة في أعقابهم بعدما ودعوا الناس ومضوا وهم بالتهليل والتكبير وقراءة القرآن، والمسلمون يدعون لهم بالنصر والسلامة.

قال عطاء بن جعيدة: وسرنا والدليل أمامنا حتى أتينا عقبة"حنداس"فقطعناها، وعبرنا نحو"الساجور"وأتينا"قورص"فنزلنا فيها وبتنا، فلما أصبحنا ودخلنا الدروب وجدنا بها أرضًا وعرةً وأشجارًا ومياهًا جاريةً ومضايق ليس للفرس فيها مجال، فهالنا وحشة ذلك المكان إذ ليس للعرب فيه مجال ولا فسحة، فقلت في خاطري: إن طالت علينا هذه الأودية خشيت على المسلمين أن يظفر بهم عدوهم، والأدلاء أمام المسلمين، وقد تعلقوا في جبال شامخة صعبة الصعود فلم يبق أحد إلا وترجل عن فرسه! ومشينا حتى تقطعت نعالنا وسال الدم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت