فهرس الكتاب
أرجلنا، فلم نزل على ذلك ثلاثة أيام والأدلاء يقولون لنا: كونوا على يقظة، فإن أخذ عليكم المجاز هلكتم، فلما كان في اليوم الرابع خرجنا إلى أرض واسعة، وكان دخولنا إلى بلاد الروم في أول الصيف ونحن مخففون من الثياب ولما دخلنا إلى تلك الأرض وجدنا بردًا كثيرًا، ونظرنا إلى الثلج وهو على الجبال عن يميننا وشمالنا. وكان دامس أبو الهول لم يأخذ معه ثيابًا تدفئه فحصل له من البرد فقال الدليل: يا أبا الهول ما لي أراك ترتعد؟ فقال: أخذني البرد وليس معي ما يدفئني. فدفع إليه فروة فلبسها فدفئ. فقال: كساك الله من ثياب الجنة.
قال الواقدي: وساروا إلى أن وصلوا إلى أرض طيبة كثيرة المياه قليلة الشجر فنزلوا فيها، ثم إنهم ساروا فلم يروا أحدًا لأن الروم كانوا قد نزحوا عن البلاد لحذرهم من المسلمين. فلما كان في اليوم الخامس ونحن سائرون إذ لاحت لنا قرية فقصدها المسلمون ... وإذا هي خالية ولكن سمعوا أصوات الديوك والغنم فدخلوها فلم يجدوا عندها مانعًا ولا دافعًا فعرفنا أنهم تواروا عنَّا فصاح ميسرة، وقال: خذوا حذركم فإن القوم قد انهزموا. فدخل الناس إلى القرية فأخذوا ما كان فيها من طعام وأثاث ومتاع. قال سعيد بن عامر: فرأيت أبا الهول، وهو يحمل على عاتقه ثلاثة أكسية وقطعتين. فقلت له: يا أبا الهول ما هذا؟ فقال: أستعد به لبرد هذه البلاد الخبيثة فما أنساها أبدًا. وأخذوا ما كان في القرية من طعام وعلوفة وساروا إلى أن وصلوا إلى مرج يقال له مرج القبائل، وهو مرج واسع، فانبعثت الخيل فيه يمينًا وشمالًا ونزل الجيش هناك، وميسرة يراود نفسه في الرجوع إلى حلب، وذلك أن أبا عبيدة كان قد أمره أن لا يبطئ عنه، وأن يكون حذرًا.
فبينما هو كذلك والخيل منبثة والناس آمنون من عدو يدهمهم، إذ أقبل بعض الخيالة ومعه علج يقوده. فلما وصل إلى ميسرة، قال له: ما شأن هذا ومن أين أخذته؟ فقال: اعلم أيها الأمير أنِّي سبقت أصحابي فرأيت شخصًا يلوح مرة ويختفي مرة فأسرعت إليه، فإذا هو هذا فأتيته وسقته إليك. فتقدم إليه رجل من المعاهدين فسأله فحدَّثه فأطال معه الكلام والناس سكوت، فلما أطال، قال ميسرة: ويلك ما الذي يقول هذا العلج؟ فقال: أيها الأمير إنه يقول إن الملك هرقل لما ركب البحر وخرج من أنطاكية ووصل إلى قسطنطينية قصدته الروم من كل مكان من المنهزمين وغيرهم، وبلغه أن أنطاكية قد فتحت صلحًا وأنه قتل من كان فيها من المقاتلة فصعب عليه وبكى ثم قال:"السلام عليك يا أرض سوريا إلى يوم اللقاء"، وقد تجمع عنده من البطارقة والحجاب وغيرهم خلق كثير، فقال لهم: إنَّي أخاف من العرب أن ترسل في طلبنا. ثم إنه جهز ثلاثين ألفًا مع ثلاثة بطارقة وأمرهم أن يحفظوا له الدروب. فقال