فهرس الكتاب
له ميسرة: قل له كم بيننا وبينهم؟ قال: يقول لكم فرسخان. فلما سمع ذلك ميسرة أطرق إلى الأرض لا يرد جوابًا ولا يبدي خطابًا.
فقال له رجل من آل سهم يقال له عبد الله بن حذافة السهمي، وكان من أبطال الموحدين وشجعانهم، وكان له عمود من حديد، لا يقل في الحرب سواه وكان ذميم الخلقة، فقال لميسرة بن مسروق: ما لي أراك أيها الأمير مطرقًا إلى الأرض إطراق الحصان لصلصلة اللجام والرجل منا يقابل ألفًا من الروم؟! فقال: والله يا عبد الله ما أطرقت خوفًا ولا جزعًا، ولكن خوفًا على المسلمين أن يصابوا تحت رايتي وهي أول راية دخلت الدروب فيلومني عمر بن الخطاب، وكل راع مسؤول عن رعيته. فقال المسلمون: والله ما نبالي بالموت ولا نفكر في الفوت لأننا قد بعنا أنفسنا بجنة ربنا ومن يعلم أنه ينقل من دار الفناء إلى دار البقاء فلا يبالي بما وصل إليه من الكفار، ثم إنه قال: أيها الناس أترون أن نلقاهم في موضعنا هذا أو نسير إليهم؟ فسألوا المعاهد، وقالوا: إن كان موضعهم أفسح من هذا رحنا إليهم. فقال: ليس في هذه البلاد بعد عمورية أفسح من هذا المكان، فإن عوَّلتم على لقائهم فاثبتوا مكانكم، وإن عدتم إلى ورائكم كان خيرًا لكم من قبل أن يشرف عليكم عدوكم. فعرض ميسرة على العلج الإسلام فأبى، فضرب عنقه. فبينما هم على ذلك إذ أشرفت عليهم الروم فنزلوا بإزائهم وكانوا كالجراد المنتشر. وكان قد مضى النهار فأضرمت النيران.
فلما أصبح الصبح صلى ميسرة بالناس صلاة الفجر، فلما فرغ قام في الناس خطيبًا، فقال: أيها الناس هذا يوم له ما بعده، وإن رايتكم هذه أول راية دخلت الدروب، واعلموا أن إخوانكم مطاولون لفعلكم، واعلموا أن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر واسمعوا ما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم:"الجنة تحت ظلال السيوف"ولا تنظروا إلى قلتكم وكثرة أعدائكم، فقد قال تعالى:"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ". فقال المسلمون: اركب بنا يا ميسرة على بركة الله والقهم بنا، وإنا لنرجو من الله النصر عليهم.
فاستبشر بقولهم وركبوا وانفصلت العبيد من العرب ووقفوا تحت راية أبي الهول وأخذوا على أنفسهم قتال عدوهم واستنصروا بربهم، وميسرة يوصيهم، وجعل على الميمنة عبد الله بن حذافة السهمي وعلى الميسرة سعد بن أبي سعيد الحنفي وقدَّم العبيد مع أبي الهول فلم ينطق بكلمة، وركب جيش الروم ومدوا صفوفهم ثلاثة صفوف كل صف عشرة آلاف وأمامهم الصلبان وهم في عددهم وعديدهم، فلما استوت الصفوف خرج رجل من الروم من المتنصرة وقرب من المسلمين، وقال: إن الباغي بغيه يرديه، أما كفاكم ما ملكتموه من