فهرس الكتاب
الشام العظيم حتى اقتحمتم هذه الجبال؟! وإنما ساقتكم الآجال وهنا ثلاثون ألف عنان، وقد حلفوا بالصلبان أن كلًا منهم لا ينهزم وإن وقع"ميتا"، فإن أردتم أن نبقي عليكم فاستسلموا للأسر حتى يحكم الملك هرقل فيكم بما يريد.
فخرج أبو الهول والراية بيده، وقال له: صدقت في قولك إن الباغي يرديه بغيه. وأما قولك: إنا نلقي إليكم بأيدينا لتبقوا علينا فأنت إذًا باغ بقولك هذا إذ نطقت بغير تجربة منكم وها أنا عبد من عبيد العرب لا قدر لي ولا قيمة عند ذوي الرتب فاقرب مني حتى أجندلك صريعًا تخور في دمك، ثم إن دامسًا همز حصانه إليه وطعنه فأرداه عن فرسه قتيلًا. ثم جال على فلوه وهز رايته، وقال: الله أكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر. ونظرت الروم إلى أبي الهول، وقد قتل صاحبهم وكان من شجعانهم، فغضبوا لذلك فخرج إليه آخر فما تركه يقرب منه حتى طعنه في نحره فأخرج السنان من ظهره. ونظر الروم إلى ذلك، فقالوا: هذا عبد من عبيد العرب قد فعل ما ترون! فلم يجسر أحد أن يخرج إليه فأغار عليهم وقتل من القلب واحدًا ورجع. فحمل عليه صف من الصفوف وهم عشرة آلاف ودهموه بالخيل فحمل العبيد وحمل المسلمون والتقى الجمعان. قال ميسرة: فلله در العبيد لقد أبلوا بلاءً حسنًا واستنقذوا أبا الهول من عين الهلاك وهم يقولون:"نحن عبيد لعباد الله، وضربنا مثل الحريق في سبيل الله، ونقتل من كفر بالله"، ولم تزل الحرب بينهم حتى قامت الشمس في قبة الفلك وحمي عليهم الحر وافترق الجمعان. والمسلمون موقنون بالظفر والنصر، والروم قد أيقنوا بالهلاك، وقد قتل منهم زهاء من ألف وأسر تسعمائة.
فلما انفصل الجمعان افتقد المسلمون أبا الهول فلم يجدوه، فقال ميسرة: إن كان أبو الهول قد قتل أو أسر فقد أصبنا به وإلى الله تعالى أشكو ما أصبنا من فقد أبي الهول! وأسر من المسلمين عشرة. ثم إن ميسرة قال: من فيكم يكشف لنا خبرهم؟ وإذا بالروم قد عادوا للقتال وحملوا بأجمعهم فقاتلوا قتالًا شديدًا فكان الرجل من المسلمين يجتمع عليه العشرة والعشرون والخمسون إلى أن يقتلوه أو يأسروه وكانت العرب في أربعة آلاف والروم في ثلاثين ألفًا، فعظمت بينهم الحرب وهاج الطعن والضرب، فلله در ميسرة بن مسروق العبسي، لقد جاهد في الله حق جهاده وهو مع ذلك ينادي: أيها الناس اذكروا الدار الآخرة واعلموا أنها أقرب لأحدكم من رجوعه لأهله، فاستقبلوها استقبال الوالدة لولدها ولا تولوا الأدبار عنها، فإن أصاب القوم منا فإني أخشى أن ذلك وهن بنا. ثم إنه نادى: حطموا أجفرة سيوفكم فذلك طريق النجاة. فلم يبق أحد من المسلمين حتى رمى بجفير سيفه، فلما رأت