فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 611

الروم ذلك فعلوا مثلنا ورمى كل منهم بجفير سيفه. وسميت تلك الواقعة باسمين:"وقعة مرج القبائل"و"وقعة الحطمة"، لأجل حطم أغمدة السيوف. واقتتلوا حتى أن الرجل يقول إن سيفه ما بقي يقطع، والمسلمون يبتهلون إلى الله والكفار تعبئ بكلمة كفرهم. والمسلمون يطلبون الفرج من الله، والسودان تقاتل قتال الموت! وكان شعار العرب في ذلك اليوم النصر النصر، وشعار السودان يا محمد يا محمد. قال ابن ثابت: وكنت قد أخذني القلق على المسلمين، ونحن في ركب عظيم إذ سمعت في الروم ضجة هائلة وإذا بهم يقاتلون أناسًا من ورائهم وهم في وسط عسكرهم والزعقات منهم قد علت وسمعت قائلًا يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: هذه أصوات الملائكة فاتبعت الصوت، فإذا هو صوت دامس أبي الهول، وهو بارك تحت حجفته ومعه العشرة المأسورين وهم يقاتلون معه ويحمون بعضهم إلى أن خلصوا من بينهم، وسمعته يقول هذه الأبيات:

يوثقني الأعداء في الحديد ... وناصري وسيدي المبيد

مهلك عاد وبني ثمود ... أغاثني بعونه الشديد

محمد الطاهر الرشيد ... فحل عني القيد والحديد

ذاك رسول الملك المجيد ... صلى عليه الناصر الحميد

فحمل المسلمون وكشفوا عنهم فخرجوا وكأنهم قد غرقوا في بحر دم، ووالله ما قتل من المسلمين أكثر من خمسين رجلًا بواحد أو باثنين، وقتل من المشركين نيف عن ثلاثة آلاف غير ما قتله أبو الهول وأصحابه في وسط عسكر الكفر. فلما نظر ميسرة إلى دامس أراد أن يترجل إليه فأقسم عليه أن لا يفعل وافترق الجيشان فضم ميسرة دامس إلى صدره وقبَّله بين عينيه وقال له: كيف كان أمركم؟ قال: اعلم أيها الأمير أن الروم كانوا قد تكاثروا على فرسي فقتلوه ووقعت فأخذوني أسيرًا وجعلوني في الحديد وفعلوا بأصحابي مثلي وقد أيسنا من أنفسنا، فلما جن الليل رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول:"لا بأس عليك يا دامس اعلم أن منزلتي عند الله عظيمة ثم إنه أمرَّ يده الكريمة على الحديد فسقط مني وفعل ذلك مع أصحابي وقال لنا:"أبشروا بنصر الله فأنا نبيكم محمد رسول الله". وقال لي:"أقرئ عني ميسرة السلام وقل له جزاك الله خيرًا"، ثم غاب عني فانتبهت فوجدت الموكلين بنا نيامًا مما لحقهم من التعب وقد رموا سلاحهم فأخذنا سيوفهم وطوارقهم وقتلناهم وحملنا فيهم ونصرنا الله عليهم ببركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقتلنا منهم من قتلنا، وخرجنا من بينهم سالمين وهذا حديثنا. فضج المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت