فهرس الكتاب
سرك ورأيك. قال: نعم. فلما اجتمعا في الليل في دار كانت لأبيهما في القلعة وجلسا للمشورة أقبل يوقنَّا على أخيه يوحنَّا وقال: يا أخي ألا ترى ما نزل بنا من العرب الجياع الأكباد العراة الأجساد وما حل بأهل الشام منهم من القتل والنهب وأخذ الأموال! وأنهم لا ينزلون مدينة من مدن الشام إلا فتحوها وملكوا أهلها! فما ترى أن أصنع في أمر هؤلاء فكأنِّي بهم وقد أشرفوا علينا؟
فقال يوحنَّا: يا أخي إذ قد استشرتني في أمرك فإني أنصحك ولا أغشك إذا قبلت النصيحة وإن كنت أصغر منك سنًا فإني أعلم عنك بصيرة، فوحق المسيح والقربان لئن قبلت مشورتي ليعلون أمرك ويسلم لك مالك ونفسك. فقال يوقنَّا: يا أخي ما علمتك إلا ناصحًا فما عندك من الرأي. فقال: الرأي عندي أن ترسل رسولًا إلى العرب وتبذل لهم ما شاءوا وتسألهم الصلح وتتفق معهم على معلوم يدفع لهم في كل عام ما دامت الغلبة لهم! فلما سمع يوقنَّا ذلك من كلام أخيه يوحنَّا أقبل عليه وقد استوثق منه الغضب وقال: قبحك المسيح ما أعجز رأيك!! ما ولدتك أمك إلا راهبًا أو قسيسًا ولم أقلدك لا ملكًا ولا محاربًا ولا مقاتلًا، والرهبان ليس لهم قلوب لأكلهم العدس والزيت والبقل ولا يأكلون اللحم ولا يعرفون النعيم وليس لهم بالقتال بصيرة ولا بملاقاة الرجال خبرة، وأما أنا فملك ابن ملك وليس بيني وبينهم إلا الحرب ولا ترى الملوك العجز. ويلك كيف نسلم ملكنا العرب ونعطيهم القياد من أنفسنا من غير حرب ولا قتال؟!
فلما سمع يوحنَّا ذلك من أخيه تبسم من كلامه وتعجب كل العجب وقال: يا أخي، وحق المسيح إن أجلك قد اقترب لأنك صاحب بغي تحب سفك الدماء وقتل النفس، وما أظن جموعك أكثر من جموع الملك هرقل التي جمعها باليرموك مع ماهان ويوم أجنادين، وهؤلاء القوم قد أيدهم الله علينا فاتق الله ولا تسع في قتل نفسك.
فلما سمع يوقنَّا كلام أخيه داخله الغضب وقال له: قد أكثرت وأطلت في مدحك العرب وإني لست كمن لاقوه من هذه الجموع التي ذكرتها ولا أقاس بهم ومع ذلك اعلم أن كل من ذكرت من أهل المدن وغيرها أسلم بلده عنوة أو صلحًا قبل أن يقاتل بلا عذر في القتال ويبذل المجهود عن نفسه، وإنِّما جمعت الأموال من قبل إلى الآن لأدفع بها الأذى عن نفسي وإني مجمع على قتال العرب ومحاربتهم، فإن أظفرني الصليب بهم وأعانني المسيح عليهم طلبت العرب إلى أن أدخل خلفهم الحجاز وأسود على سائر الملوك وأرجع إلى الشام ملكًا فلا يقدر هرقل أن ينازعني، وإن هزمتني العرب طلعت إلى قلعتي هذه ولزمتها فإني قد