فهرس الكتاب
عبيت فيها من الزاد والأطعمة ما يكفيني طول دهري وأكون فيها عزيزًا إلى أن أموت ولا ألقي يدي إلى العرب ولا أبذل أموالي من غير طلب فلا تعارضني في شيء من أمر العرب ولا تدعني إلى الصلح وإلا بطشت بك قبلهم! واحتوى الشيطان على قلب يوقنَّا وقد سولت له نفسه العمل. فلما سمع يوحنَّا من أخيه يوقنَّا هذا المقال قال له: كلامك عليَّ حرام أبدًا، حتى ترجع إلى رأيي وتعود إلى قولي ثم قام عنه مغضبًا!
فلما كان من الغد جمع يوقنَّا إليه جميع من التجأ إليه من العسكر من الأرمن والمتنصرة وغيرهم وعرضهم على نفسه، فمن أراد سلاحًا أعطاه وفرَّق فيهم الأموال وجعل يهون العرب عليهم ويقول: إنما هم قليل ونحن أكثر منهم، لأن جموعهم قد تفرقت منها جماعة على قيسارية ومنهم من توجه إلى مصر. وعزم على قتال أبي عبيدة قبل أن يصل إليه وإلى بلده. ثم عمد إلى بطريق من بطارقته يقال له كراكس وضم إليه ألف فارس ووكله بحفظ بلده وسار يوقنَّا بمن معه يريد أن يلقى جيش أبي عبيدة والمسلمين هو وقومه في اثني عشر ألف مدرع غير من كان معه بغير درع ونشرت أمامه الأعلام والصلبان وكان فيها صليب من الذهب والجوهر ومن حوله ألف غلام عليهم ثياب الديباج المنسوج بالقصب.
قال ابن ثعلبة الكندي: فأقام أبو عبيدة على مدينة قنسرين بعد أن فتحها بالصلح وبعد أن أتاه يزيد بكتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يأمره أن يبعث إلى يزيد بن أبي سفيان طائفة من جيشه فبعث له بثلاثة آلاف فارس لابسين السلاح الكامل وعوَّل أبو عبيدة على المسير إلى حلب فدعا برجل من بني ضمرة وكان بطلًا مجربًا بشدة البأس وكان إذا ثبت على وجه الأرض للقتال لا يهاب الجحافل قلَّت أو كثرت فضم إليه ألف فارس وصيره على مقدمته وقال: يا كعب لا تقاتل جيشًا لا تطيقه واختبر أمر هذا العلج واعرف خبره وأنا راحل من ورائك.
فسار كعب بن ضمرة يريد حلب وكان يوقنَّا قدم أمامه عيونًا يأتونه بالأخبار فأتته جواسيسه يخبرونه أن خيول العرب قد أتت تريد بلده وقتاله. فقال لهم: في كم أتت العرب؟ قالوا: في ألف فارس وهم على ستة أميال من بلدك نزول. فكمن يوقنَّا كمينًا ثم سار إليهم بجيوشه وبطارقته، فلما أشرف عليهم وهم نزول على نهر يسقون خيلهم ويتوضئون فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم يوقنَّا بجيوشه وبطارقته والصليب أمامه، فنادى المسلمون بعضهم بعضًا واستووا على متون خيولهم، وورد كعب بن ضمرة على فرسه وسبق في أول الخيل وأشرف على جيش يوقنَّا فحزره أنه في خمسة آلاف فارس وكان يوقنَّا قد قسم عسكره شطرين النصف معه والنصف مع الكمين، فلما نظر كعب إلى يوقنَّا وجيشه انقلب إلى أصحابه وقال: