فهرس الكتاب
يا أنصار دين الله إني نظرت عسكر عدوكم وحزرته فهو في خمسة آلاف وهم لكم مغنم ويقاتل الواحد منكم خمسة. قالوا: بلى والله، وأقبل أصحابه يشجع بعضهم بعضًا فقربت الفئة من الفئة وصاح يوقنَّا بأصحابه ورجاله وغلمانه وعبيده وبطارقته وأمرهم بالحملة على المسلمين فحملوا بأجمعهم حملة صعبة وحمل عليهم المسلمون والتقى الجمعان وقاتلا قتال الموت وقد أيقن المسلمون بالظفر والغنيمة فطلع عليهم الكمين من ورائهم وأكبوا عليهم جميعًا.
قال مسعود بن عون العجي: شهدت الخيل التي بعثها أبو عبيدة طلائع مع كعب بن ضمرة وكنت فيها يوم التقى الجمعان وقد خرج علينا الكمين ونحن في القتال، ونحن لا نظن أن لهم كمينا يطلع من ورائنا وإذا بأصوات حوافر الخيل أكبت علينا وأيقنا بالهلكة بعدما كنا موقنين بالغلبة وصرنا في وسط عسكر الكفار فلم يكن لنا بد من القتال فافترقت المسلمون ثلاث فرق فرقة منهم منهزمة وفرقة قصدت قتال الكمين وفرقة مع كعب بن ضمرة قصدت قتال يوقنَّا ومن معه. فلله در كندة يومئذ لقد قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاءً حسنًا ووهبوا أنفسهم لله تعالى حتى قتل منهم ذلك اليوم مائة رجل في مقام واحد، وعمل أهل الكمين عملًا عظيمًا، وكعب بن ضمرة قلق على المسلمين فجاهد عنهم وهو يجول بالراية وينادي: يا محمد يا محمد يا نصر الله انزل معاشر المسلمين اثبتوا إنما هي ساعة ويأتي النصر وأنتم الأعلون، فاجتمع المسلمون عليه والجراح فيهم فاشية! وقتل من المسلمين مائة وسبعون رجلًا، الأعيان: منهم عباد بن عاصم النخعي وزفر بن أم راضي وحازم بن شهاب المقري وسهل بن أشيم ورفاعة بن محصن وغانم بن برد، وسهيل بن مفلج وكان ممن شهد يوم السلاسل وتبوك بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهد قتال اليمامة مع خالد بن الوليد.
قال مسعود بن عون: والله لقد تأسفنا على قتله ووجدنا فيه أربعين ضربة كلها في مقدمه - رضي الله عنه - ولم نجد واحدة في ظهره وكان الأعيان أربعين رجلًا، لأن الرجل منا ما قتل حتى قتل عددًا من المشركين، فلما نظروا إلى ثبات المسلمين مع قلتهم وما هالهم من قتل منهم، همَّ المشركون أن ينهزموا فثبتهم يوقنَّا وقال: ويلكم ما العرب إلا مثل الذئاب إن صدمت ولت وإن تركت طمعت! ولما نظر كعب بن ضمرة إلى من قتل تحت رايته اغتم لذلك غمًا شديدًا فنزل عن فرسه ولبس درعًا من فوق درعه وشد وسطه بمنطقة ومسح وجه فرسه ومنخره وقبَّله بين عينيه وكان قد شهد معه المواطن وجاهد معه وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان قد سماه الهطال. فقال: يا هطال هذا يومك المحمود عاقبته فاثبت للقتال في طاعة الله، ولما