فهرس الكتاب
استوى على متنه وقف أمام المسلمين وجعل ينظر إلى القتلى وهو متفكر في أمره والراية بيده وهو ينتظر من أبي عبيدة جيشًا يقبل عليه أو طليعة تنجده فلم ير لذلك أثرًا.
وذلك أن أبا عبيدة ما قطعه عن المسير إليه إلا قدوم أهل حلب عليه، وذلك أنه لما سار يوقنَّا إلى حرب المسلمين اجتمع مشايخ أهل حلب والروسية بعضهم إلى بعض وقالوا: يا قوم تعلمون أن هؤلاء العرب قد أطاعهم أهل دين النصرانية والصليب ودخلوا في دينهم ومنهم من رجع إلى دينهم ومنهم من قاتلهم. فأما الذي قاتلهم فخسر فهل لكم أن تسيروا إلى أمير المؤمنين ونسأله الصلح ونصالح عن مدينتنا وندفع إليه ما أحب من أموالنا، فإن ظفر المسلمون بالبطريق يوقنَّا نكن نحن آمنين غير وجلين منهم ونقر عينا من بأسهم، وإن صالح يوقنَّا القوم نكن نحن قد سبقناه إلى الصلح، وإن غلب ورجع سالمًا لم نبلغه ولم نعلمه، واستوى رأيهم على ذلك فخرج منهم ثلاثون رجلًا من رؤسائهم وسلكوا طريقًا غير طريق يوقنَّا حتى أشرفوا على عسكر المسلمين فنادوا: الغوث الغوث، فلٍما سمع المسلمون منهم ذلك أسرعوا إليهم وأوقفوهم بين يدي أبي عبيدة فقال خالد: يوشك أن هؤلاء يطلبون الصلح والأمان لأنفسهم وهم أهل حلب. قال أبو عبيدة: أرجو ذلك إن شاء الله تعالى، وإن صالحوني صالحتهم! وهو لا يعلم ما أصاب طليعة كعب بن ضمرة من الحرب الشديد والقتل العتيد وكان قدومهم عليه ليلًا والنيران تضرم بين يديه وكان في العسكر رجال قيام في صلاتهم يتلون القرآن فجعل بعضهم يقول لبعض بهذه الفعال ينصرون علينا، فلما سمع الترجمان مقالهم أخبر أبا عبيدة بما قد تناجوا بينهم. فقال أبو عبيدة: إنَّا قوم قد سبقت لنا العناية من ربنا وإنَّا رجال لا نريد عن الله ورسوله بدلًا ولن نجزع من قتال الأعداء!
فأخبرهم الترجمان بذلك، ثم قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن سكان حلب من تجارها وسوقتها ورؤسائها وقد جئنا نطلب منكم الصلح. فقال أبو عبيدة: فكيف نصالحكم وقد بلغنا أن بطريقكم قد صمم على قتالنا وقد حصن قلعته وجعل فيها ما يقوته سنين واتخذ الجند وأكثر من ذلك وما لكم عندنا صلح؟ فقالوا: أيها الأمير إن صاحبنا قد خرج من عندنا يريد حربكم وقتالكم. قال أبو عبيدة: ومتى خرج. قالوا: خرج سحرًا ونحن من بعده وسلكنا طريقًا غير طريقه وإنا نرجو أنه هالك لا محالة لأنه ركب البغي ولم يرض بالصلح وقد أطاع هواه فقد وقع في شرك الردى. فلما سمع أبو عبيدة بخروج البطريق خاف على طليعته منه فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هلك والله كعب ومن معه إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم أطرق إلى الأرض فقالوا لبعض مشايخ أهل حلب: كلم لنا الأمير في الصلح