فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 611

فكلمه. فقال أبو عبيدة بضجر: لا صلح لكم عندنا، فخاف الشيوخ على أنفسهم وقالوا: إنا قد اجتمع عندنا من القرى والرساتيق خلق كثير، فإن صالحتمونا عمرنا لكم الأرض وكنا لكم عونًا على عمارتها وعشنا في ظلكم أيام عدلكم، وإن أنتم أبيتم ذلك فر الناس عنكم وطلبوا أقصى البلاد وشاع الخبر عنكم أنكم لا تصالحون فلا يبقى حولكم أحد.

فأعلمه الترجمان بما قالوا فجعل ينظر إليهم وإذا قد برز من القوم وصاح رجل أحمر الوجه وكان من حكماء الروم فصيحًا بلسان عربي فقال: أيها الأمير اسمع ما ألقيه إليك من العلم الذي أنزل الله في الصحف على الأنبياء. قال أبو عبيدة: قل لنسمع فإن كان حقًا علمناه، وإن كان غير حق لا نسمعه ولا نعمل به! وكان اسمه دحداح. فقال: أيها الأمير إن الله - سبحانه وتعالى - أنزل على أنبيائه يقول: أنا الرب الرحيم خلقت الرحمة وأسكنتها في قلوب المؤمنين وإني لا أرحم من لا يرحم، من أحسن أحسنت إليه، ومن تجاوز تجاوزت عنه، ومن عفا عفوت عنه، ومن طلبني وجدني، ومن أغاث ملهوفًا أمَّنته يوم القيامة وبسطت له في رزقه وباركت له في عمره وأكثرت له أهله ونصرته على عدوه، ومن شكر المحسن على إحسانه فقد شكرني! وإنا قد أتيناك ملهوفين خائفين فأقل عثراتنا وآمن روعاتنا وأحسن إلينا! فبكى أبو عبيدة من قوله وقرأ"إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، ثم قال: اللهم صل على محمد وعلى جميع الأنبياء، فبهذا والله أرسل نبينا أرسله الله إلى جميع الخلق والحمد لله على هدايته لنا، ثم أقبل على المسلمين وهم حوله وفيهم الرؤساء من المهاجرين والأنصار وقال لهم: الحمد لله على هدايته، ثم قال: إن هؤلاء أهل متجر وسوقة وضياع وهم مستضعفون وقد رأينا أن نحسن إليهم ونصالحهم ونطيب قلوبهم ومتى كانت المدينة في أيدينا والسوقة معنا فإنهم يميروننا بالعلوفة ويعلموننا بما يعزم عليه عدونا ويكونون عونًا لنا عليه.

فقال رجل من المسلمين: أصلح الله الأمير إن مدينة القوم بالقرب من القلعة، ولا نأمن أن القوم يدلون على عوراتنا ويخبرون بأحوالنا وما أتى القوم إلا ليخدعونا ألا ترى إلى بطريقهم وقد خرج يبغي قتالنا وحربنا فكيف يطلب هؤلاء الصلح منا؟! ولاشك أنهم مكروا بكعب بن ضمرة ومن معه من المسلمين! س فقال أبو عبيدة: أحسن ظنك بالله وثق بالله فإن الله ينصرنا ولا يسلط علينا عدونا، فرحم الله من قال خيرًا أو صمت وإذًا أشرط عليهم النصيحة في صلحهم للمسلمين. ثم أقبل على القوم وقال: إني أريد أن تبذلوا في صلحكم ما بذله أهل قنسرين. فقالوا: أيها الأمير إن قنسرين أقدم من مدينتنا وأكثر جمعًا ومدينتنا خالية من السكان لجور صاحبنا لأنه قد أخذ أموالنا وغلاتنا وأصعد الكل إلى قلعته وما بقي عندنا إلا الضعفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت