فهرس الكتاب
ومن لا مال له! وإنا نسألك الترفق بنا والعدل فينا والإحسان إلينا. فقال أبو عبيدة: فما الذي تريدون أن تبذلوا في صلحكم؟ قالوا: نعطي نصف ما أعطى أهل قنسرين! فقال أبو عبيدة: قد قبلت منكم ذلك على أننا إذا نزلنا بصاحبكم أعنتمونا بالميرة والعلوفة وتبيعون وتشترون في عسكرنا ولا تكتموا عنا خبرًا تكونون تعلمونه من أعدائنا ولا تتركوا جاسوسًا يتجسس علينا وإن رجع إليكم بطريقكم منهزمًا تمنعوه أن يصل إلى القلعة. فقالوا: أيها الأمير أما قولك هذا أن نمنع البطريق أن لا يصعد إلى القلعة فما نجد إلى ذلك من سبيل ولا نقول لك ما لا نفعله، ما لنا به طاقة ولا بمن معه من أعوانه وجنوده.
قال أبو عبيدة: فلا تمنعوه من الصعود إلى القلعة وعليكم عهد الله وميثاقه والأيمان المؤكدة الغليظة أن لا تقولوا هذا القول وأن توفوا لنا كل شرط تم عليكم، ثم حلفهم بالأيمان التي يعرفونها فحلف القوم عن آخرهم وصالحوا عن رجالهم ودوابهم وأبنائهم ونسائهم وعبيدهم وسائر أهاليهم وانتهوا على ذلك. فقال أبو عبيدة: إنكم قد حلفتم وقد قبل قولكم وأيمانكم فإن أصبنا أحدًا قد أخلف أو علم من البطريق علمًا ولم يعلمنا به فقد وجب عليه القتل، وأخذ ماله وولده حلال لنا لا يطلبنا الله بذمته، ومتى نقضتم ما شرطنا عليكم فلا عهد لكم عندنا ولا ذمة لكم علينا ولنا عليكم الجزية في العام المتقبل. فرضي أهل حلب بما شرطه عليهم أبو عبيدة وأخذوا عهدهم وكتب أسماءهم وعزم القوم على الانصراف إلى ديارهم، وقال لهم أبو عبيدة: على رسلكم حتى أبعث معكم من يسير معكم إلى مأمنكم فقد وجب علينا حفظكم إلى أن تعودوا سالمين إلى بلدكم. فقال له الدحداح: أيها الأمير! إننا نرجع من الطريق الذي جئنا منه وما نريد أحدًا يسير معنا، فتركهم أبو عبيدة وبات بقية ليلته قلقًا على كعب بن ضمرة ومن معه.
قال الواقدي: ورجع القوم من ليلتهم إلى حلب وانفجر الصبح ولم يصلوا، فلما أشرفوا على حلب نظر إليهم بعض أعلاج البطريق وهم راجعون فأقبل إليهم وسألهم: من أين أقبلتم، وما صنعتم؟ فظنُّوا أنه من أهل حلب فأخبروه بصلحهم مع أبي عبيدة فتركهم ومضى. وأنَّ القوم استقبلهم أهل حلب فسألوهم فأخبروهم بالصلح ففرحوا بذلك! وأقبل العلج حتى أشرف على عسكر يوقنَّا وهو نازل على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أحاط بهم وهو يظن أنه قد ملكهم إذ أتى عليه العلج فقال له: أيها البطريق إنك غافل عما نزل بك ودهمك! قال له: وماذاك ياويلك؟ قال له: إن أهل بلدك قد صالحوا العرب وكأنك بهم وقد ملكوا القلعة وأخذوا الأموال والنسوان، فلما سمع يوقنَّا ما أخبر به العلج خشي على قلعته أن يملكوها