فهرس الكتاب
في غيبته فانعكس عليه ما كان يؤمل أن يفوز به من الظفر بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد قتل من المسلمين نيف عن المائتين، وكعب قد أجهد نفسه في الحرب وأيقنوا أنهم هالكون لا محالة.
قال كعب بن ضمرة: وكنت ذلك اليوم صاحب القوم وأنا أثبتهم في الحرب، وإلى الحرب أنهض بهمتي وأدفع عنهم بمهجتي فإذا أجحفني القتال وركبني الحرب التجأت إلى أصحابي وأنا مع ذلك أتوقع فرجًا من الله تعالى وأترقب راية أبي عبيدة أن تطلع فبعد علينا ذلك ولم تزل الحرب بيننا يومًا وليلة إلى الصباح من اليوم الثاني، فأقسم بالله إن كان أحدنا ليصلي ولا حصل له زاد يأكله ولا ماء يشربه وأنا بين اليأس والرجاء أترقب طريق قنسرين أن تطلع منه علينا راية الإسلام فما أرى لها أثرًا، فرأيت عند الصباح جيش العدو وقد اضطرب من جوانبه وقد علت لهم ضجة عظيمة من جميع جوانبه فقلت: ما هذا إلا مدد لحقهم من البلد أو من الملك فالتجأت إلى كلمة الشدائد، وهي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال كعب بن ضمرة: ... ما قلت الكلمة حتى رأيت جيش العدو وقد انكشف عنا على عقبه فقلت: الحمد لله حمد الشاكرين وإني أظن أن صائحًا صاح بهم من السماء فبددهم أو ملائكة نزلت عليهم كيوم بدر فلم أر لهم أثرًا! فهممت أن أتبعهم فصاح المسلمون إلى أين يا كعب؟! أما كفاك ما نحن فيه انزل بنا إلى الأرض وارض بما نحن فيه من التعب والنصب، ونؤدي فرضنا ونريح خيولنا فما رد الله هؤلاء القوم إلا بمشيئته وقدرته.
قال الواقدي: وأبطأ خبر كعب على أبي عبيدة، فلما صلى الصبح انفتل من صلاته وأقبل على المسلمين وخاطب من بينهم خالدًا، وقال: يا أبا سليمان إن أخاك أبا عبيدة ما رقد الليلة غمًَّا، وإنه كان يجب علينا الشكر بما فتح الله علينا، وأن نفسي تحدثني بأنَّ ألفًا مع كعب بن ضمرة قد قتلوا لما أخبرني هؤلاء الذين يسألون الصلح أن صاحبهم يوقنَّا قد سار إليهم ولم أر أثرًا وأظن أنه صادف أصحابنا وقتلهم وأفناهم عن آخرهم! فقال خالد: والله إنِّي ما نمت مثلك من الغم عليهم فما الذي عزمت أن تصنع؟ قال: الرحيل، ثم أمر الناس بالرحيل، وارتحلوا، وساروا يريدون حلب، وعلى المقدمة خالد بن الوليد، وعلى الساقة أبو عبيدة، فما كان غير بعيد حتى أشرف خالد على المسلمين وهم نيام، وقد أقاموا لهم من الديدبان من يحرسهم.
فلما أشرف عليهم خالد والراية في يده رفعها فوق رأسه، فلما رآها الديدبان صاح: النفير يا أنصار الدين فثاروا عن مضاجعهم كأنهم أسد ثائرة واستووا في متون خيولهم واستقبلوا