فهرس الكتاب
صاحب الراية فعرفوه فصاح بعضهم ببعض: هذه والله راية الإسلام والمسلمين، فنزل خالد وسلم عليهم واتصلت بهم الساقة وأقبل أبو عبيدة فلما نظر كعب بن ضمرة حمد الله وأثنى عليه ونظر إلى موضع القتلى مطروحين وما كان من المسلمين ورأوهم، فلما نظروا إلى ذلك عاد فرحهم ترحًا واسترجعوا وقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون، وسأل كعبًا: كيف قتل أصحابك هؤلاء ومن قتلهم؟ فأخبره كعب بقتال يوقنَّا وأنه أشرف هو وقومه ومن كان معه على الهلاك حتى لم يبق فيهم حركة ونمنا ليلتنا هذه، فلما أصبحنا وإذا هم قد صاحوا وانقلبوا راجعين عنَّا من غير قتال، فقال أبو عبيدة: فسبحان مسبب الأسباب ليت أبا عبيدة قتل أمامهم ولم يقتلوا تحت رايته، ثم أمر بدفن المسلمين بعدما جمعهم زمرًا زمرًا وصلى عليهم ودفنوهم بأسلابهم ودمائهم، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"يحشر الله الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يوم القيامة ودماؤهم على أجسادهم: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، والنور يتلألأ عليهم ويدخلون الجنة"!
فلما واروهم في حفرهم قال لخالد: إن كان عدو الله يوقنَّا رجع إلى القوم، وعلم بصلحهم لنا فيلقون منه تعبًا عظيمًا فالحق بهم فقد وجب علينا أن نذب عنهم لأنهم تحت ذمتنا! وارتحل أبو عبيدة يريد حلب، فلما وصل إليها رأى البطريق وجنوده قد أحدقوا بأهل البلد وهم يريدون قتلهم، ويقول لهم: يا ويلكم صالحتم العرب عن أنفسكم وصرتم عونًا لهم علينا؟! قالوا: قد فعلنا ذلك وأنهم قوم منصورون! فقال: يا ويلكم إن المسيح لا يرضى بفعلكم فوحق المسيح لأقتلنكم عن آخركم أو تخرجون معي إلى قتالهم وتنقضون ما بينكم وبينهم من العهد والميثاق فأخبروني من بدأ بهذا الأمر حتى أبدأ به، فلم يطيعوه على ذلك. فقال لعبيده ادخلوا عليهم وائتوني بهم لأقتلهم، فقد أخبرني فلان أنه لقيهم وعرفني بهم، فهجم العبيد عليهم وجعلوا يقتلونهم على فرشهم وأبواب منازلهم! فسمع أخوه يوحنَّا الضجة في البلد وهم في القلعة فنظر إلى أخيه وقد قتل من أهل البلد ثلثمائة، فصاح بهم وبأخيه: على رسلك لا تفعل فإن المسيح يغضب عليك وقد نهانا أن نقتل عدونا فكيف بمن هو على ديننا؟
فقال يوقنَّا لأخيه: إنهم صالحوا العرب عن البلد وصاروا لهم عونًا علينا. فقال يوحنَّا: وحق المسيح لا أبقت عليك العرب أبدًا وأنَّ لهم من يقتص منك. قال: ومن يقتص مني؟ قال: المسيح يقتلك كما قتلتهم بغير ذنب! فقال يوقنَّا: أنت حملتهم على ذلك وأنت أول من أبطش به، ثم عمد إلى أخيه وقبض عليه وجرد سيفه ليعلوه به، فلما نظر يوحنَّا إلى أخيه وقد