فهرس الكتاب
عن أموالكم وحريمكم وأولادكم، وأما أنا فواحد منكم، واعلموا أن الملك المقوقس قد أمرني بلقاء هؤلاء العرب وقال: إنه لا يظهر إليهم حتى أرى ما يظهر من قومي وأرباب دولتي فما تقولون وما الذي اجتمع عليه رأيكم؟ فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيد هذه الدولة وغلمانها فإنها قد استعبدت رقابنا بنعمتها وإحسانها، ونحن نقاتل لمحبتها فإما أن نرزق النصر من المسيح وإما أن نموت فنستريح. قال: فشكر قولهم وخلع على أكابرهم وقال لهم: اخرجوا واضربوا خيامكم ظاهر البلد مع القوم وطاولوهم بالمبادرة إلى أن يأتي إلينا نجدة من ملك النوبة والبجاوة فأجابوا إلى ذلك، وأمروا غلمانهم بأن يضربوا الخيام خارج البلد فضربوها مما يلي النور والرصد.
قال ابن إسحق: وفي ليلتهم تلك جاءتهم الأخبار بأنه وقع بين ملك النوبة وملك البجاوة حرب وأنه ما يجيبكم منهم أحد وأخرجوا للملك"أرسطوليس"سرادقًا معظمًا وسط جيش القبط. وأخذ المسلمون على أنفسهم وأقبلوا يحرِّضون بعضهم بعضًا ويحرسون قومهم بالنوبة، فكان عمرو في أول الليل يطوف حول العسكر ومعاذ إذا انتصف الليل ويزيد بن أبي سفيان في آخر الليل والنور على عسكرهم والإيمان لائح عليهم وأصواتهم مرتفعة بالقرآن وبذكر الله وبالصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
فلما وصل كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي عبيدة وقرأه على المسلمين قال لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان ما ترى من الرأي؟ فقال: إذا كان أمير المؤمنين أمرك أن تنجد عمرو بن العاص فأنجده. فقال أبو عبيدة: إن الطريق إلى مصر بعيد وإن أنا أرسلت جيشًا كبيرًا خفت عليه من بعد الطريق ومن المشقة فقال خالد: كم جهدك أن ترسل؟ قال: أربعة آلاف فارس. فقال خالد: إن الله كفاك ذلك. قال: وكيف ذلك يا أبا سليمان؟ قال: إن عزمت على ما ذكرت فابعث أربعة من المسلمين فهم مقام أربعة آلاف فارس. فقال أبو عبيدة: من الأربعة؟ قال خالد: أنا أحد الأربعة والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ومالك بن الحرث، فلما سمع أبو عبيدة ذلك تهلل وجهه وقال: يا أبا سليمان افعل ما تراه، فدعاهم خالد وأعلمهم بما عزم عليه، فقالوا: سمعًا وطاعة. فقال: خذوا على أنفسكم فنحن نسير هذه الليلة. فلما صلى أبو عبيدة بالناس صلاة المغرب قدم الثلاثة إلى قبة خالد فركبوا وودعوا أبا عبيدة والمسلمين وأخذوا معهم دليلًا يدلهم على الطريق إلى وادي موسى والشوبك وأخذوا معهم ما يحتاجون إليه وساروا يريدون مصر، فما زالوا يجدُّون إلى أن قربوا من عقبة"أيلة"وإذا هم بخيل ومطايا تزيد على ألف فأسرعوا إليهم فإذا هم من ثقيف وطيء ومرداس قد وجههم