فهرس الكتاب
عمر بن الخطاب إلى مصر مع رفاعة بن قيس وبشار بن عون، فلما رأوهم سلموا عليهم ورحبوا بهم واستبشروا بالنصر لما رأوا خالدًا وعمارًا والمقداد ومالكًا وارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير وساروا بأجمعهم.
.عن نصر بن ثابت قال: كنت في جملة الوفد الذي وجهه عمر - رضي الله عنه - مع رفاعة وبشار والتقينا بخالد بن الوليد وأصحابه عند عقبة"أيلة"وسرنا معهم حتى وصلنا أرض مصر وقربنا وبقي بيننا وبينها يومان، فبينما نحن نسير في بعض الليالي وكانت ليلة مظلمة لا يكاد الرجل أن يرى من شدة الظلام إذ سمعنا حسًا بالبعد منا فوقفنا. فقال خالد: أيكم يأتينا يا فتيان العرب بخبر هؤلاء الذين في هذا الجيش. قال نصر: وكنت راكبًا فقفزت من ظهر الراحلة وسعيت على قدمي وأخفيت حسي إلى أن تبين لي جيش كبير فتحققت أمرهم فإذا هم جيش من العرب المتنصرة وهم يزيدون على ثلاثة آلاف وهم ركبان المطايا والخيل. فقلت: والله لا عدت إلى أصحابي إلا بالخبر اليقين. فاتبعت أثرهم لأسمع ما يقولون وما يتحدثون فمشيت معهم قليلًا فأسمعهم يقولون: أذل الصليب أعداءنا فإنا قد أصابنا التعب ولحقنا الجهد ومن وقت خروجنا من مدين لم نجد أحدًا ومصر قد قربنا منها فانزلوا لنأخذ راحة ونريح مطايانا ونعلق على خيلنا وإذا بمقدمهم يقول: وحق المسيح ما بغيتنا إلا في الخلع والأموال من ملك مصر ولكن إذا عوَّلتم على الراحة فانزلوا.
فنزل القوم على ماء يعرف بالغدير وأقبلوا يجمعون الشيح ويصنعون لهم الزاد وعلقوا على خيولهم وتركوا إبلهم ترعى. قال نصر: فعلمت أن القوم من متنصرة العرب فتركتهم وأتيت إلى أصحابي وحدثتهم بذلك فحمدوا الله كثيرًا وأثنوا عليه وقالوا لخالد: ما الذي ترى؟ فقال:"أرى أن تركبوا خيولكم الآن وتستعدوا للحرب ونسير إليهم ونكبسهم فإنهم قد أتوا لنصرة صاحب مصر وما أتوه إلا بمكاتبه لهم يستنجد بهم على أصحابنا"، فلبسوا سلاحهم وركبوا الخيل وتركوا مواليهم مع المطايا والرجال وساروا خيلًا ورجالًا إلى أن قربوا من نيران القوم فصبروا حتى خمدت وناموا فتسللوا عليهم كتسلل القطاة. فقال خالد: دوروا بالقوم ولا تدعوا أحدًا منهم ينفلت من أيديكم فيثير عليكم عدوكم، قال فداروا بهم كدوران البياض بسواد الحدق وأعلنوا بالتهليل والتكبير ووضعوا فيهم السيف فما استيقظ أعداء الله إلا والسيف يعمل فيهم ووقعت الدهشة في القوم وهم في أثر النوم فقتل بعضهم بعضًا، ووقف ابن قيس ومعه جماعة على البعد منهم وبشار ورفقته وكل من انهزم أخذوه.