فهرس الكتاب
فخرج قيس وخرج معه رجال من قومه حتى أتوا موضع المعركة وفتشوا عليه فلم يروه فلما همَّ بالرجوع نظر إلى نار قد أقبلت من جهة الروم يطلبون مكان الوقعة وهم يطلبون بطريقًا كان معظمًا عندهم. فقال قيس لجماعته: اخمدوا ناركم فوالله لآخذن بثأر ابن أخي من هؤلاء القوم. فأخمدوا نارهم ورقدوا بين القتلى وتأهبوا للقتال، وإذا بالروم قد أتوا وهم نحو مائة وهم في زينة عظيمة وآلة وعدة وكان مع قيس سبعة من قومه فقالوا له: إن القوم مائة ونحن سبعة وقد تولانا التعب! فقال قيس: ارجعوا أنتم وإني والله أطلب الموت لا أريد غيره وأجاهد في الله حق جهاده. فعجبوا من قوله ووقفوا معه وقفة الكرام. وأقبلت الأعلاج يدورون بين القتلى، وقد وقفوا بالعلج الذي برز أولًا وقتله ابن أبي بكر الصديق، فلما احتملوه وولوا يريدون عسكرهم صاح فيهم قيس من ورائهم وتابعه أصحابه بالصياح فذهلوا ورموا البطريق، ووضع المسلمون السيف فيهم، وجعلوا يقتلونهم قتلًا ذريعًا! وكان قيس إذا ضرب فيهم يقول: هذا عن ابن أخي. فقتل منهم ستة عشر رجلًا وقتل أصحابه أكثر القوم وانفلت الباقون.
فلما فرغ قيس من القوم عاد يطلب ابن أخيه نحو عسكر الروم فسمع أنينًا فأقبل نحوه، فإذا هو ابن أخيه سويد بن بهرام المرادي، فلما عرفه بكى، فقال: ما أبكاك يا ابن أخي؟ فقال: يا عمَّاه إني تبعت القوم فرجع إليَّ واحد منهم وطعنني في صدري وإني لأعالج منها أمرًا عظيمًا، وهؤلاء الحور العين في حذائي ينتظرون خروج روحي، فبكى قيس وقال: يا ابن أخي لكل أجل كتاب ولعل أن يكون في أجلك طول! فقال: هيهات والله يا عم! أفتقدر أن تحملني إلى عسكر المسلمين فأموت هناك؟ قال: أجل. قال: ثم احتملته على ظهري وأقبلت به إلى عسكر المسلمين وقصدت به إلى رحله وسجيته. وسمع أبو عبيدة بمجيء قيس فأتى إليه ورأى الغلام يجود بنفسه فجلس عند رأسه وبكى وبكت المسلمون فقال له أبو عبيدة: كيف تجدك يا ابن أخي؟ فقال: بخير والله وغفران. وجزى الله محمدًا عنَّا خيرًا، ولقد صدقنا في قوله وهذه الحور تنادي! وتشخَّص فمات، فما برحنا حتى واريناه بالتراب. وخبَّره قيس بمن قتل في تلك الليلة من المشركين ففرح فرحًا شديدًا وعلم أن ذلك علامة النصر. وبات الناس في ليلتهم يقرؤون القرآن ويصلُّون ويسألون الله المعونة والنصر.
وأما ماهان فإنه لما رجع إلى عسكره اجتمع إليه البطارقة والرهبان والقسوس فقدموا له طعامًا ومدوا له سماطًا فلم يأكل منه شيئًا مما وقع في نفسه من الرؤيا التي رآها البطريق وكان ماهان يود لو ترك الأمر وصالح على أداء الجزية ولكنه كان مغلوبًا على أمره! وأقبلت الملوك