فهرس الكتاب
القوم أن يجبرونا بالزاد والعلوفة ونضمن لهم أن نرتحل عنهم إلى أن يفتح الله تعالى عليك غير مدينتهم ونرجع إليهم، وقد قل زادهم وانتشروا في سوادهم وتفرقوا في أمصارهم وتجاراتهم ونشن عليهم غارة فنملك ما ظهر منهم ويهون عليك أمر من بقي في حمص مع قلة الزاد والعلوفة، فقال أبو عبيدة: أصبت الرأي يا ابن عَمْرٍٍ إني سوف أفعل ما ذكرته ونرجو من الله التوفيق والعون.
ثم دعا أبو عبيدة - رضي الله عنه - بدواة وبياض وكتب جواب الكتاب يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإني رأيت في قولك صلاحًا لنا ولكم ولسنا نريد البغي على أحد من عباد الله - عز وجل -. وقد علمت أن عسكرنا كثير وخيلنا وإبلنا كثير، فإن أردتم أن نرتحل عنكم فابعثوا لنا ميرة خمسة أيام وأنتم تعلمون أن الطريق الذي أمامنا بعيد وما نلقى بعدكم إلا كل حصن منيع وأبواب حديد فإذا مرتمونا رحلنا عنكم إلى بعض مدائن الشام، فإذا فتح الله علينا بعض مدائن الشام رجعنا عنكم كما زعمتم، فإن فعلتم ذلك كان صلاحًا لكم. وطوى الكتاب وسلمه إلى الرسول وسار إلى حمص، فلما قرأ هربيس الكتاب فرح بذلك وجمع الرؤساء والرهبان، وقال لهم: اعلموا أن العرب قد بعثوا يطلبون منكم الزاد والميرة حتى يرحلوا عنكم فإن العرب مثلهم كمثل السبع إذا وجد فريسته لم يرجع إلى غيرها، وهم قد لحقهم الجوع في مدينتكم، وإذا أشبعناهم انصرفوا عنَّا. فقالوا: أيها الأمير نخاف من العرب أن يأخذوا الزاد والعلوفة ولا يرحلوا عنَّا. فقال: إنا نأخذ لكم عليهم العهود والمواثيق أنكم إذا مرتموهم يرحلون عنكم. فقالوا: افعل ما بدا لك، واستوثق لنا ولك. فبعث هربيس وأحضر القسوس والرهبان وأمرهم أن يخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - ويأخذوا عليهم العهود والمواثيق إذا مرناهم يرحلون عنا.
فخرجوا وقد فتح لهم باب الرستق فساروا حتى وصلوا إلى الأمير أبي عبيدة وأخذوا عليهم ميثاقًا وعهدًا أن يرحلوا عنهم إذا هم ماروهم ولا يرجع عليهم حتى يفتح الله على يديه مدينة من مدائن الشام شرقًا أو غربًا، سهلًا كان أو جبلًا، فقال الأمير أبو عبيده - رضي الله عنه:"قد رضيت بذلك وتم الصلح على ذلك"، وأخرج لهم أهل حمص مما كانوا قد ادخروه من الزاد والعلوفة شيئًا عظيمًا له ولعسكره ما يكفيهم مدة خمسة أيام، فأقبل أبو عبيدة عليهم، وقال: يا أهل حمص قبلنا ما حملتموه لنا من الزاد والعلوفة، فإذا رأيتم الآن أن تبيعوا من الزاد والعلوفة، فقالوا: نحن نفعل ذلك! فعندها نادى الأمير أبو عبيدة بشراء الزاد والعلوفة ولتكثروا من ذلك، فإن قدامكم طريقًا واسعًا قليل الزاد والعلوفة، فقالوا: أيها الأمير بماذا