فهرس الكتاب
قال الواقدي: ولقد بلغني أن العبيد قاتلوا يومهم قتالًا شديدًا وهجموا على الأبواب مرارًا ولم يزالوا بقية يومهم حتى أقبل الليل ورجعت الموالي إلى عسكر المسلمين وبعث هربيس من ليلته رسولًا إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - فأقبل الرسول والظلام معتكر فأحس جيش المسلمين به فهموا به، فقال: أنا رسول من البطريق هربيس صاحب حمص وأريد الجواب عن هذا الكتاب، فسلم إليهم كتاب هربيس فأخذه أبو عبيدة - رضي الله عنه - وقرأه، فإذا فيه: يا معاشر العرب أنا ظننا أن عندكم عقلًا تدبرون به الحرب وتستعينون به على الأمور، وإذا أنتم بخلاف ذلك لأنكم في أول حربكم لنا تفرقتم على الأبواب، فقلنا: هذا أشد ما يكون من الحصار وأعظم ما يقدرون عليه من الإضرار .. فلما كان الغد تأخرتم عن حربنا وبعثتم هؤلاء المساكين إلى حربنا يقطعون أسيافهم ويكسرون سلاحهم فيا ليت شعري هل تصبر سيوفهم على فساد سورنا، وقد بان لنا عجز رأيكم وتدبيركم في القتال وملاقاة الرجال والآن فأنا أشير عليكم بأمر فيه الصلاح لنا ولكم، وهو أن تسيروا إلى الملك هرقل وتفتحوا ما بين أيديكم كما فتحتم ما وراءكم وإياكم واللجاج والبغي فإنهما قاتلان لمن اتبعهما وراجعان على من بدأ بهما أو نحن نخرج إليكم صبيحة هذه الليلة والله ينصر من يشاء منا ومنكم ممن على الحق.
فلما قرأ الأمير أبو عبيدة كتاب هربيس صاحب حمص استشار المسلمين فيما يصنع، وكان قد حضر عنده رجل كبير من أكابر خثعم وسيد من ساداتهم اسمه عطاء بن عمرو الخثعمي، وكان كبير السن قديم الهجرة سديد الرأي قد قاد الرجال وولى أمر الجيش وحزم العساكر، فلما سمع كتاب هربيس وثب قائمًا على قدميه، وقال للأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه: أقسمت عليك أيها الأمير برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما سمعت مقالي، فإن فيه صلاحًا للمسلمين فالله وفقني لمقالة وأيد المسلمين بها، قال أبو عبيدة - رضي الله عنه: قل يا ابن عَمْرٍ فأنت عندنا ناصح للمسلمين. فدنا من الأمير أبي عبيدة وسارره، وقال له: أصلح الله الأمير اعلم أن خبرك عند هؤلاء منذ نزلت على هؤلاء اللئام وهذا البطريق أشد منعة وأعظم جولة ممن كان قبله، وقد علم بفتوح بعلبك وأنك لابد أن تنزل على حصارها، وقد استدعى بالطعام والعلوفة وآلة الحصار، وقد شحنها بالرجال وما ترك في رساتيقها وقراها طعامًا إلا وقد خزنوه عندهم ما يكفيهم أعوامًا، وإن نحن حاصرناهم يطول الأمر كما طال أمرنا على دمشق، والرأي عندي أن تخدعهم بخديعة وتحتال عليهم بحيلة. فإنْ تمت لنا عليهم الحيلة فتحنا المدينة عن قريب إن شاء الله تعالى. قال أبو عبيدة - رضي الله عنه: وما الحيلة عندك يا ابن عَمْرٍ؟ فقال: الرأي عندي أن نكتب إلى هؤلاء