فهرس الكتاب
شيمتكم أيها العرب الغدر والمكر فكن مطمئن الجانب. ثم عطف الترجمان إلى فلسطين بن هرقل وأخبره بما سمع من مقالة عمرو بن العاص، وقال: أيها الملك إن أمير العرب قد قدم علينا وعليه من اللباس كذا وكذا فتبسم الملك من قول القس، وقال: قل له يتقدم إلينا.
فلما قدم أخذ الملك في التأهب لقدوم عمرو عليه، وزين ملكه وأوقف القسوس عن يمينه وشماله والحجاب بين يديه، وأقبل عليه الترجمان، وقال له: يا أخا العرب قد أذن لك الملك، فسار عمرو على جواده وعسكر قيسارية تتعجب منه ومن زيه إلى أن وقف على قبة الملك، ثم ترجل ومشت الحجاب أمامه حتى وقعت عينه على عين فلسطين فأدناه ورحب به وبش في وجهه، وقال: مرحبًا بأمير قومه، وأراد أن يجلسه على السرير فامتنع عمرو من ذلك، وقال: بساط الله أطهر من بساطك، لأن الله تعالى جعل الأرض بساطًا وأباحنا إياها فنحن فيها سواء، وما أريد أن أجلس إلا على ما أباحه الله، ثم جلس على الأرض باركًا وترك رمحه أمامه وسيفه على فخذه الأيسر، فقال له فلسطين: ما اسمك؟ قال: اسمي عمرو وأنا من العرب الكرام أرباب الحزم المعظمين في القوم. قال فلسطين: إنك لفتى كريم من عرب كرام، يا عمرو إن كنت من العرب فنحن من الروم وبيننا قرابة وأرحام متصلة، ونحن وأنتم في النسب متصلون ومن يكونون متصلين في النسب ما لهم يسفك بعضهم دم بعض!!
فقال عمرو: إن أنسابنا لاحقة من أبينا ونسبنا الأعلى هو دين الإسلام، وإذا كان أخوان قد اختلفا في الدين كان حلالًا أن يقتل أحدهما أخاه، وقد انقطع النسب بيننا! وقد ذكرت أن نسبك لاحق بنا فكيف يكون نسبك ونسبنا واحدًا ونحن قريش وأنتم بنو الروم .. قال: يا عمرو أليس أبونا آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم وعيصو بن إسحاق وإسحاق أخو إسماعيل وكلاهما ولد إبراهيم، ولا ينبغي للأخ أن يبغي على أخيه بل يجود عليه. فقال: إنك لصادق في قولك الذي قلت وإن عيصو ونحن بنو أب واحد وأبونا نحن إسماعيل صلوات الله عليه وإن نوحًا - عليه السلام - قسم الأرض بين أولاده الثلاثة سام وحام ويافث وأعطى ولده سامًا الشام وما حوله إلى اليمن إلى حضرموت وإلى غسان، والعرب كلهم ولد سام، وأعطى حامًا الغرب والساحل وأعطى يافث ما بين المشرق والمغرب و"إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"، ونريد أن نرد هذه القسمة فنأخذ ما في أيديكم من العمارة والأنهار عوضًا عما نحن فيه من الشوك والحجارة والبلد القفر، فلما سمع فلسطين كلام عمرو بن العاص علم أنه رجل ماكر. فقال له: صدقت في قولك إلا أن القسمة قد جرت، فإن نقضتموها كنتم من الباغين علينا، واعلم أنه ما حملكم على ذلك وأخرجكم من بلادكم إلا الجهد العظيم.