فهرس الكتاب
الحبش ولست من العرب، لأن العرب لهم الكلام الجزل والخطب والفصاحة. فقال بلال: بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تركتني أمضي إليه. فقال عمرو: لقد أقسمت عليَّ بعظيم اذهب واستعن بالله ولا تهبه في الخطاب وأفصح في الجواب وعظم شرائع الإسلام. فقال بلال: ستجدني إن شاء الله حيث تريد. فخرج بلال نحوهم وكان لابسًا يومئذ قميصًا من كرابيس الشام وعلى رأسه عمامة من صوف متقلدًا بسيف ومزودة على عاتقه وبيده عصا.
فلما برز بلال من عسكر المسلمين ونظر إليه القس أنكره، وقال: إن القوم قد هنَّا عليهم فإنا دعوناهم نخاطبهم فبعثوا إلينا بعبيدهم لصغر قدرنا عندهم. ثم قال: أيها العبد أبلغ مولاك وقل له إن الملك يريد أميرًا منكم حتى يخاطبه بما يريد، فقال بلال: أيها القس أنا بلال مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومؤذنه ولست بعاجز عن جواب صاحبك، فقال له القس: قف مكانك حتى أعلم الملك بأمرك وعاد القس إلى الملك، وقال له: أيها الملك إنهم قد بعثوا بعبد من عبيدهم يخاطبك، وما ذاك إلا استصغارًا لأمرنا عندهم، وهو عبد أسود. فأرسل له رجلًا يقول له: أيها العبد أبلغ مولاك وقل له إن الملك إنما يريد أميرًا منكم حتى يخاطبه. فقال له بلال: أيها الرجل أنا بلال بن حمامة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولست بعاجز عن جواب صاحبكم. فقال فلسطين: ارجع إليهم وقل لهم بعث إليكم ملك النصرانية أيليق أن تبعثوا له بعبد من عبيدكم. فرجع الترجمان إلى بلال وقال له يا أسود: إن الملك يقول لك: لسنا ممن نخاطب العبيد بل يأتينا صاحب جيشكم أو المؤمر عليكم، فرجع بلال وهو منكسر وأخبر عَمْرًا بذلك. فقال لشرحبيل: أنا أمضي إليه. فقال شرحبيل: يا عبد الله إذا مضيت أنت فلمن تدع المسلمين؟ فقال عمرو: الله لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين بخلقه، ولكن خذ الراية واخلفني في قومي؛ فإن غدر الروم فالله الخليفة عليكم، فوقف شرحبيل في مقام عمرو وأخذ الراية.
وخرج عمرو نحو القوم وعليه درعه ومن فوقه جبة صوف وعلى رأسه عمامة من صنع اليمن مصبوغة صفراء قد أدارها على رأسه كورًا وأرخى لها عذبة، وفي وسطه منطقة، وقد تقلد سيفه واعتقل رمحه وسار عمرو حتى وقف بإزاء الترجمان الذي أرسله"فلسطين بن هرقل"، فلما رآه الترجمان ضحك، فقال: مم تضحك يا أخا النصرانية؟ قال: من دناءة رؤيتك وحملك هذا السلاح، ما الذي تصنع به ولم تحمله معك وما نريد حربًا؟ فقال عمرو: إن العرب حمل السلاح شعارهم ووطاؤهم ودثارهم، وإنما حملت السلاح معي استظهارًا، ولعلي أن ألقى عدوًا فيكون ذلك حصنًا من عدوي وأحامي به عن نفسي. قال الترجمان: