فهرس الكتاب
دمشق لي دون كل الناس أجمعهم ... وساكنيها سأهويهم إلى العطب
فتبسم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - من قوله، ثم قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه: يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين"؟ فقال الإمام علي: صدقت وأنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أنس - رضي الله عنه: وسارت حمير بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخيل العتاق والرماح الدقاق، وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة المرادي - رضي الله عنه -، فلما وصل إلى الصديق - رضي الله عنه - جعل يقول: صلوا على طه الرسول:
أتتك كتائب منا سراعًا ... ذوو التيجان أعني من مراد
فقدِّمنا أمامك كي ترانا ... نبيد القوم باسيف الجادي
فجزاه أبو بكر - رضي الله عنه - خيرًا، وتقدم بكتائبه ومواليه، وتقدمت من بعده قبائل طئ يقدمها حارث بن مسعد الطائي - رضي الله عنه -، فلما وصل همَّ أن يترجل فأقسم عليه أبو بكر - رضي الله عنه - بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي - رضي الله عنه -، ثم جاءت من بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي - رضي الله عنه -، وأقبلت من بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيشم بن أسلم الكناني وتتابعت قبائل اليمن يتلو بعضها بعضًا ومعهم نساؤهم وأموالهم، فلما نظر أبو بكر - رضي الله عنه - إلى نصرتهم سُرَّ بذلك وشكر الله تعالى.
وأنزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها واستمروا فأضرَّ بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدوبة الأرض فاجتمع أكابرهم عند الصديق - رضي الله عنه -، وقالوا: يا خليفة رسول الله إنك أمرتنا بأمر فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد وقد تكامل جيشنا وفرغنا من أهبتنا، والمقام قد أضرَّ بنا لأن بلدك ليست بلد جيش، ولا حافر ولا عيش، والعسكر نازل فإن كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فأمرنا بالرجوع إلى بلدنا. وأقبل الجميع وخاطبوه بذلك، فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر - رضي الله عنه: يا أهل اليمن، ومن حضر من غيرهم. أما والله ما أريد لكم الإضرار، وإنما أردنا تكاملكم! قالوا: إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى.