فهرس الكتاب
قولكم في ذلك؟ فقالوا: يا خليفة رسول الله مرنا بأمرك ووجهنا حيث شئت، فإن الله تعالى فرض علينا طاعتك. فقال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ" (النساء:59) .
ففرح أبو بكر - رضي الله عنه - ونزل عن المنبر وكتب الكتب إلى ملوك اليمن وأهل مكة وكانت الكتب فيها نسخة واحدة. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد عزمت أن أوجهكم إلى بلاد الشام لتأخذوها من أيدي الكفار والطغاة فمن عوَّل منكم على الجهاد والصدام، فليبادر إلى طاعة الملك العلام، ثم كتب:"انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" (التوبة:41) ، ثم بعث الكتب إليهم وأقام ينتظر جوابهم وقدومهم، وكان الذي بعثه بالكتب إلى اليمن أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فما مرت أيام حتى قدم أنس - رضي الله عنه - يبشره بقدوم أهل اليمن وقال: ياخليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله ورسوله، وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد، وقد أقبلت إليك ياخليفة رسول الله مبشرًا بقدوم الرجال، وأي رجال، وقد أجابوك شعثًا غبرًا وهم أبطال اليمن وشجعانها، وقد ساروا إليك بالذراري والأموال والنساء والأطفال، وكأنَّك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم.
فَسُّرَ أبو بكر - رضي الله عنه - بقوله سرورًا عظيمًا، وأقام يومه ذلك حتى إذا كان من الغد أقبلوا إلى الصديق - رضي الله عنه - وقد لاحت غبرة القوم لأهل المدينة. فأخبروه فركب المسلمون من أهل المدينة وغيرهم وأظهروا زينتهم وعددهم ونشروا الأعلام الإسلامية ورفعوا الألوية المحمدية فما كان إلا قليل حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضًا، قوم في أثر قوم وقبيلة في أثر قبيلة، فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية والبيض العادية والسيوف الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري - رضي الله عنه -. فلما قرب من الصديق - رضي الله عنه - أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول:
أتتك حمير بالأهلين والولد ... أهل السوابق والعالون بالرتب
أسد غطارفة شوس عمالقة ... يردوا الكماة غدًا في الحرب بالقضب
الحرب عادتنا والضرب همتنا ... وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب