فهرس الكتاب
وصافحه وصافح ربيعة بن عامر، وقال: يا عامر أظهر شجاعتك على بني الأصفر! بلغكم الله آمالكم، وغفر لنا ولكم.
وسار القوم ورجع أبو بكر - رضي الله عنه - بمن معه إلى المدينة قال: فجد القوم في السير، فقال ربيعة بن عامر: ما هذا السير يا يزيد، وقد أمرك أبو بكر أن ترفق بالناس في سيرك؟! فقال يزيد: يا عامر إن أبا بكر - رضي الله عنه - سيعقد العقود ويرسل الجيوش فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا أن نفتح فتحًا قبل تلاحق الناس بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال: رضاء الله - عز وجل -، ورضاء خليفتنا، وغنيمة نأخذها. فقال ربيعة: فسر الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأخذ القوم في السير على وادي القرى ليخرجوا على تبوك ثم على الجابية إلى دمشق. واتصل الخبر للملك هرقل من قوم من عرب اليمن المتنصرة كانوا في المدينة، فلما صح عند الملك ذلك جمع بطارقته في عسكره، وقال لهم:"يا بني الأصفر إن دولتكم قد عزمت على الانهزام، ولقد كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتقيمون الصلاة وتؤتون الزكاة التي أمركم بها الآباء والأجداد والقسس والرهبان، وتقيمون حدود الله التي أمركم بها في الإنجيل لا جرم أنكم ما قصدكم ملك من ملوك الوشاة ونازعكم على الشام إلا وقهرتموه ولقد قصدكم كسرى بجنود فارس فانكسروا على أعقابهم، والآن قد بدلتم وغيرتم فظلمتم وجُرْتُم، وقد بعث إليكم ربكم قومًا لم يكن في الأمم أضعف منهم عندنا، وقد رمتهم شدة الجوع إلينا وأتى بهم إلى بلادنا وبعثهم صاحب نبيهم ليأخذوا ملكنا من أيدينا ويخرجونا من بلادنا!"، ثم إنه حدثهم بالذي سمعه من طرسيسه. فقالوا:"أيها الملك نردهم عن مرادهم ونصل إلى مدينتهم ونخرب كعبتهم"، فلما سمع مقالتهم وتبين اغتياظهم جرد منهم ثمانية آلاف من أشجع فرسانهم وأمّر عليهم خمسة من بطارقتهم، وهم البطاليق وأخوه جرجيس وصاحب شرطته ولوقا بن سمعان وصليب بن حنا صاحب غزة، وكانت هذه الخمسة بطارقة يضرب بهم المثل في الشجاعة والبراعة، ثم تدرعوا وأظهروا زينتهم، وصلَّت عليهم الأمة صلاة النصر. فقالوا: اللهم انصر من كان منا على الحق! وبخروهم ببخور الكنائس، ثم رشوا عليهم من ماء المعمودية وودعوا الملك وساروا وأمامهم العرب المتنصرة يدلونهم على الطريق.
حدثني رفاعة عن ياسر بن الحصين قال: بلغني أن أول من وصل إلى تبوك كان يزيد بن أبي سفيان وربيعة بن عامر ومن معهما من المسلمين قبل وصول الروم بثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع والمسلمون قد هموا بالرحيل إلى الشام إذ أقبل جيش الروم، فلما رآه المسلمون