فهرس الكتاب
عن يميني هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وهذا الذي عن شمالي من أهل اليمن من كرام طيء، وهو رافع بن عميرة الطائي صهري وفؤادي، وذلك أني أخذت من كل قبيلة شجاعها المعروف، وبطلها الموصوف، فلا تزدري بقتالنا، ولا تفرح بكثرتكم، فما أنتم في القتال إلا كطيور وقع عليها صائدها وهي كامنة في أوكارها فألقى القانص الشبكة عليها فما انفلت منها إلا النجيب.
قال الواقدي: فزاد غضب جبلة من كلام خالد، وقال له: ستعلم أن كلامك عليك ميشوم إذا دارت بك الأسنة وبقيت أنت ومن معك طعامًا للوحوش في هذه الفلاة تمزقكم بكرةً وعشيًا! فقال له خالد: ذلك لا يكثر علينا وهو سهل لدينا. فأنت من العرب التي قد نسبت لعبادة الصليب. فقال: أنا سيد بني غسان ومن ملوك همدان، أنا ملك غسان وتاجها، أنا جبلة بن الأيهم! فقال خالد: أنت المرتد عن دين الإسلام ومن اختار الضلالة على الهدى، وسلك سبيل الغي وضل وغوى. فقال جبلة: لست كذلك أنا الذي اخترت العزَّ على الذل والهوان. فقال خالد: فإنك على ذل نفسك حريص، وإنما الكرامة غدًا في دار البقاء والبعد عن دار الشقاء. فقال جبلة: يا أخا بني مخزوم لا تفرط علينا في المقال فإنما بقائي عليك وعلى أصحابك بسبب هذا الأسير الذي في يدك لأني أخاف إن حملت عليكم قتلته قبل قتلك وهو معظَّم عند الملك هرقل وقريب عنده في النسب، فأطلقه من يدك حتى أجود عليكم بأنفسكم. فقال خالد: أما أسيري فلا أطلقه من يدي حتى أقتله ولا أبالي بما صُنِع بي بعده! وأما قولك تحمل عليَّ وعلى من معي بهذه الجموع فما أنصفت في المقال! فإذا أردت النصفة في القتال فجمعكم عظيم وعددكم كثير، ونحن عشرة رجال وقد أحدقت بنا أعنة خيولكم وأسنة رماحكم وطيال سيوفكم فأبرزوا فارسًا لفارس وهذا أميركم، فإن قتلتمونا فقد خلصتم أسيركم، وإن أظفرنا الله بكم -وما النصر إلا من عند الله- فما يعظم عليكم هلاك أسيركم إذا هلكت أنفسكم قبله.
قال الواقدي: فعند ذلك نكس جبلة رأسه وأقبل يحدث صاحب عمورية بجواب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فغضب صاحب عمورية غضبًا شديدًا وانتضى سيفه فلما نظر خالد بن الوليد إلى البطريق وقد جرد سيفه علم أنه يريد القتال، فلما همَّ صاحب عمورية بالحملة أمسكه جبلة ومنعه من الحملة وأوقفه تحت صليبه وأقبل جبلة على خالد بن الوليد، وقال: يا أخا بني مخزوم إن الحرب كما ذكرت تحتمل النصفة وهؤلاء بنو الأصفر أعلاج الروم غنم ما يعرفون