فهرس الكتاب
وانبسطت الشمس وطابت الحرب، وطمعت الروم في المسلمين لما بان لهم من تقصيرهم فشدَّ الروم بالحملة عليهم، فانهزمت العرب من بين أيديهم وتركوا سوائمهم.
.عن سراقة النخعي وكان ممن حضر يوم حمص قال: لما انهزمت العرب أمام الروم وتبعنا هربيس البطريق في خمسة آلاف شاب وكانوا أشد الروم، وانهزمنا أمام القوم كأننا نطلب الزراعة وجوسية، وأدركتنا البطارقة وبعضهم مال إلى السواد طمعًا في الزاد والطعام. وكان بحمص قسيس كبير السن عظيم القدر عند الروم قد حنكته التجارب وعرف أبواب الحيل والخداع، وكان عالمًا من علماء الروم، فلما أشرف ذلك القسيس ونظر إلى العرب وقد ملك الروم سوادهم جعل يصيح وينادي: وحق المسيح إن هذه خديعة ومكر ومكيدة من مكايد العرب، وإن العرب لا تسلم أولادها وإبلها ولو قتلوا عن آخرهم. وجعل القسيس يصيح وأهل حمص قد وقعوا في النهب وليس يغنيهم سوى الزاد والطعام! والبطريق هربيس قد ألح في طلب المسلمين في خمسة آلاف فارس، فلما أبعدوا عن المدينة صاح الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - برفيع صوته: اعطفوا على الروم كالسباع الضارية والعقبان الكاسرة فردوا عليهم كردوسًا واحدًا حتى أحاطوا بالبطريق وأصحابه من كل جانب وداروا بهم مثل الحلقة المستديرة وأحدقوا بهم كإحداق البياض بسواد العين، وبقيت الروم في أوساطهم كالشامة السوداء في الثور الأبيض فعند ذلك نصبت العلوج نشابها على العرب، والمسلمون يكرون عليهم مثل الأسود الضارية ويحومون عليهم كما تحوم النسور ويضربونهم بالسيوف ويصرعونهم يمينًا وشمالًا حتى انكسر أكثرهم.
قال عطية بن فهر الزبيدي: فلما نظرت الروم إلى فعلنا بهم تكالبت علينا، فلما حميت الحرب ابتدر خالد - رضي الله عنه - من وسط العسكر وهو على جواد أشقر وعليه جوشن مذهب كان لصاحب بعلبك أهداه له يوم فتح المدينة، وكان خالد - رضي الله عنه - قد عمَّم نفسه بعمامته الحمراء وجعل يهدر كالأسد الحردان وقد انتضى سيفه من غمده وهزه حتى طار منه الشرر ونادى برفيع صوته: رحم الله رجلًا جرَّد سيفه وقوَّى عزمه وقاتل أعداءه! فعندها انتضب المسلمون سيوفهم وصدموا الروم صدمة عظيمة ونادى الأمير أبو عبيدة: يا بني العرب قاتلوا عن حريمكم ودينكم وأموالكم فإن الله مطلع عليكم وناصركم على عدوكم.
وكان معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قد انفرد في خمسمائة فارس إلى السواد والأموال وانقض على الروم فما شعرت الروم والعلوج ممن انغمس في الغارة وحمل الزاد والرحال والأمتعة إلا والطعن قد أخذهم بأسنة الرماح من كل جانب كأنها ألسنة النار المضرمة ونادى مناد: يا فتيان العرب