فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 611

المسلمين، وبعد الفتح إن شاء الله تنزلون إلينا. فقال"يوقنَّا": استعنا بالله وتوكلنا عليه، ثم إنه أخذ معه من صناديد جماعته مائة ولم يأخذوا معهم ثقلًا سوى جنيب من الخيل واحد وسار من أول الليل وترك عياض بن غنم على الباسل فجدُّوا السير بقية ليلتهم.

فلما كان قبل الفجر أشرفوا على الخانوقة فوجدوا فيها ألفًا من الأرمن وهم بالعدة الكاملة، فلما أشرف عليهم"يوقنَّا"ومن معه وهم يتحدثون بلغة الروم أنسوا بهم وسألوهم عن خبرهم فقالوا: هذا البطريق المعظم"يوقنَّا"صاحب حلب قد هرب من العرب وأقبل لنصرة صاحب هذه القلعة! فلما سمعوا بذلك فرحوا وصقعوا بين يدي"يوقنَّا"وأرسل المقدم عليهم خيالًا وأمره بالسرعة ليبشر"أشفكياص"بقدوم"يوقنَّا"إليه وهروبه من العرب، وأنه يستأذن عليه فمضى الرجل وأخبر أشفكياص فأطرق إلى الأرض، ثم قال لوزيره: وحق المسيح والإنجيل ما جاء إلا لينصب علينا ويملك هاتين الواحتين منا كما فعل بطرابلس وصور وما أنا بالذي يأمن، فما ترى أيها الوزير؟

قال ابن إسحق: ولقد بلغني أن هذا الوزير كان من أهل القراءة، وكان أديبًا عاقلًا لبيبًا ممن قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية وقرأ ملاحم دانيال، وكان منذ بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - يسكن في دير مترهبًا وهو ما بين السر وحلب فتعبد فيه زمانًا طويلًا حتى شاع ذكره بين أهل دين النصرانية، ثم بعد ذلك أخبر الروم بأنه قد وقع بحافر من حوافر حمار المسيح فكانت الروم ينذرون له النذور والصدقات وشاع خبره وسما ذكره فسمي ذلك الدير ب"دير حافر"، ولم يزل شوجوان في الدير حتى أخذ المسلمون حلب فانتقل إلى أشفكياص فاستوزره. فلما استشاره في أمر"يوقنَّا"قال له: اعلم أيها الملك أن"يوقنَّا"من الملوك وأبناء الملوك، وقد قرأ الكتب وأخوه كان أفضل منه في الدين وقد صحب هؤلاء العرب واطلع على سرائرهم ونظر إلى دينهم، وربما أنه علم عند النظر أن دين المسيح أفضل من دين هؤلاء العرب وقد هرب من أيديهم إليك. فإن كان الرجل قد أتى بغير حمل ولا ثقل فاعلم أنه هارب من القوم إليك فيجب عليك أن تخرج إلى لقائه وتعظم شأنه وترفع مكانه! فلما سمع أشفكياص ذلك خرج بعسكره للقائه وبقي الوزير في القلعة.

فسمعت ابنة"يوقنَّا"أن أباها قد أتى فنزلت تسبح في سرب لها تحت الأرض مع جواريها وخدمها وقصدت القلعة الثانية فوجدت أشفكياص قد خرج للقاء أبيها والوزير شوجوان في مرتبة وزارته فقام إليها وصقع بين يديها وخدمها فجلست تتحدث معه. فقال لها: خذي على نفسك الحذر، فإن الملك قد خرج وأخاف أن يبطش بأبيك واعلمي أنه ما تبع هؤلاء العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت