فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 611

لهم: إما أن ترحلوا عنا أو نقتلهم. قالت: وكيف نصنع برهائننا وإن نحن فعلنا بأصحابهم ما ذكرت يفعلوا بأصحابنا كذلك؟

قال لها"يوقنَّا": إذا كنت تفزعين على أهل البلد فصالحي القوم. قالت: دبرنا بحسن رأيك. فقال: السمع والطاعة، وأنا أمضي إلى هؤلاء العشرة مع ما وصاهم به أميرهم وننظر ما الذي يطلبونه منا، ثم إنه مضى إلى الصحابة وحدثهم بما عزم عليه من تسليم البلد وقال لهم: إذا سمعتم الضجة فدونكم ومن في البرج، ثم رجع إلى أصحابه ورتبهم على السور، ولم يترك معهم أحدًا من أهل البلدة، فلما أظلم الليل سار عبد الله"يوقنَّا"مع أصحابه المائتين وأعلنوا بالتهليل والتكبير وبادروا إلى الباب ففتحوه وأرسل إلى عبد الله بأن يأتي إليهم بعسكره فأتوا ووضعوا السيف في أهل البلد! فما أفاق أهل قرقيسيا إلا والمسلمون قد مكنوا منهم القواضب فقصدوا البرج الأعظم فثار عليهم العشرة الصحابة فعلمت الملكة أرمانوسة أن الحيلة قد تمت عليها من قبل"يوقنَّا"، وسمعت أهل البلد ينادون الغوث الغوث فأمنهم عبد الله بن غسان وسهل بن عدي واحتووا على ما في المدينة وأخذوا جميع ما كان فيها من الأموال وما في البرج الأعظم من الذخائر، فأخرجوا منه الخمس وقسموا الباقي على المسلمين، وعرضوا عليهم الإسلام فمن أسلم منهم وهبوا له أهله وماله ومن أبى ضربت عليه الجزية، ثم اجتمع الذين أسلموا وأتوا إلى الأمراء وقالوا: نحن قد دخلنا في دينكم فسلموا لنا كرومنا وبساتيننا. فقال لهم عبد الله بن غسان بن وسهل بن عدي: هي بحكم الإمام، يعني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وهو الذي يسكن فيها من أراد ويأخذ خراجها ممن هي في يده، فإن حكم الخراج والخمس والجزية بأمر الإمام يأخذ حاجة منه ويصرف الباقي في صالح المسلمين.

قال الواقدي: وأسلمت أرمانوسة ومن كان يلوذ بها فأقرهم عبد الله في أماكنهم وأحسن إليهم غاية الإحسان وجدد لهم الأمان كل ذلك ليتصل الخبر بأهل البلاد فيدخلوا في الإسلام. قال عطية بن الحرث، وكان ممن أدرك ذلك: كان فتح قرقيسيا أول ليلة من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، وبنوا الكنيسة العظمى وهي"بيعة جرجيس"جامعًا ولم يبرحوا حتى صلوا فيه، وأطلقوا الرهائن وتسلم ولايتها شرحبيل بن كعب في مائة وخمسين رجلًا، وعولوا على المسير إلى"ماكسين"والتفت الأمير إلى عبد الله"يوقنَّا"، وقال: مر ابنتك أن ترجع إلى قلعتها فقد جاءت الوصية إلينا من قبل الأمير عياض. قال: فرجعت والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت