فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 611

قال الواقدي: وكان ل"يطالقون"زوجة عاقلة لبيبة صاحبة رأي وتدبير، فلما رأت ما حل بزوجها وأن أهل الحصن قد قتل أكثرهم وتفرقوا بالهزيمة أيقنت بزوال ملكها وخراب بيتها، فجمعت المشايخ من أرباب دولتها، وقالت لهم: اعلموا أن الملك قد قتل وقد تفرَّق شمل من كان معه، وقد وصلكم ما صنع هؤلاء العرب مع ملوك دين النصرانية وبني ماء المعمودية، وكيف ملكوا الشام وأرض ربيعة وديار بكر وديار مصر، وقد دانت لهم الأمور وانتشر شرعهم وعلا ذكرهم ودخل في دينهم الملوك والبطارقة، وما نزلوا على حصن إلا ملكوه، ولا وافوا جيشًا إلا هزموه وقد دخلوا أرضكم، وحلوا ساحتكم فما ترون من الرأي الرشيد؟ قالوا: أيتها الملك ما تكلمت بشيء إلا فهمناه وعرفناه والأمر إليك! فقالت: الصواب أنَّكم تحقنون دماءكم، وتصونون حريمكم وأموالكم وتدخلون فيما دخل فيه أهل البلاد وتصالحون العرب فتأمنون على أنفسكم وتعيشون في ظلهم. فقالوا: هذا هو الصواب.

قالت: فلينطلق منكم رجال إلى هؤلاء العرب ويعقدوا لنا معهم صلحًا. فخرجوا من عندها وسار منهم ثلاثون رجلًا من خيارهم وعبروا الشط إلى عسكر خالد، فلما رآهم خالد والمسلمون علموا أنهم من أهل الحصن فاستقبلوهم وسلموا عليهم ورحبوا به، ومشوا معهم إلى قبة خالد، وإذا هو جالس على التراب ووجوه أصحابه حوله وهم يكثرون من ذكر الله وليس لهم حاجب ولا بوَّاب! فسلموا عليهم فقرأ خالد"وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا"! فتقدم كبراؤهم وعلماء دينهم، وقالوا: أيكم الأمير نخاطبه؟ قال خالد: كم تبذلون لنا من المال؟ فقالوا: مهما أردتم امتثلناه. فقالوا: إنَّا لا نريد إلا ما ترضى به أهل الذمة الذين في البلد حتى تطيب قلوبهم ومن لا يَرحم لا يُرحم، ولقد سمعت نبينا - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي". فلما سمع القوم ذلك تهللت وجوههم فرحًا وقالوا: لقد نصركم الله بحق وما نرى دينكم إلا حقًا! فأسلموا عن آخرهم وعادوا إلى قومهم واجتمعوا في كنيستهم وحدَّثوهم بما كان وبما رأوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسن سيرتهم. فقال أهل البلد: ما كنا بالذين نرفع أنفسنا عليكم لأنكم أولو الرأي والدين، وقد رضينا بما رضيتم به لأنفسكم فأسلموا إلا قليلًا منهم!

وأما الملكة فإنها لما سمعت ذلك طاب قلبها وبعثت بالإقامة والعلوفة إلى خالد وسألته أن يعبروا إلى جانبهم ونصبت لهم الجسر، فعبر خالد ومن معه ونزلوا بالبيعة بحيث تشرف الملكة عليهم وتنظر إليهم فرأت أقوامًا قد طلقوا الدنيا وطلبوا الآخرة ... وليس فيهم من ينهر ولا يسفه ولا يخالف أخاه، قد اشتغلوا بالذكر! فلما نظرت إلى حسن عبادتهم نزلت إليهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت