فهرس الكتاب
ولا بتلاطمه وكأنهم على وجه الأرض ونزل بأهل فارس ما لم يكن في حسابهم وقاتلوا قتالًا شديدًا.
قال الواقدي: حدثني من أثق به إن أول من عبر من الجيش ستون فارسًا خرجوا زمرًا، فأولى زمرة تسعة أولهم عاصم، والزمرة الثانية ثلاثة وثلاثون. قال عاصم بن عمرو: وقد اقتحمنا الدجلة خيلًا ورجالًا ودواب حتى نزلنا ولا نرى الماء من كثرة الناس وخرجت خيلنا وهي تنفض معارفها وتصهل على الشط إلهامًا من الله. ولما رأى الملك كسرى أن المسلمين قد عدلوا إلى الجانب الثاني أمر شهريار بن ساور أن يبرز للمسلمين ويقف على مقابلتهم ففعل وأخذ كسرى ما قدر على حمله من أمواله من الدر والجواهر واليواقيت وما أشبه ذلك. وإن سعدًا ليخوض الماء خوضًا وهو يقول:"ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".
قال الواقدي: حدثني النعمان بن عاملة الضبي عن أبيه عثمان أنهم سلموا عن آخرهم، وأن رجلًا من بارق ويقال له عرقدة زال عن فرسه وكانت شقراء وكأنِّي أنظر إليها وصاحبها غريق، فمضى إليه القعقاع بفرسه وأخذ بيده وجرَّه حتى عبر به. فقال الناس: عجزت النساء أن تلد مثلك يا قعقاع! ولم يذهب للناس في الماء شيء إلا قدحًا كانت علاقته رثة فانقطعت فذهب الماء بالقدح فقال صاحبه: والله لأجهدن عليه وما كان الله ليسلبني قدحي من بين العسكر! فلما عبروا أتى رجل من الناس ليغتسل وإذا بالأمواج قد رفعت القدح إليه فتناوله وأتى به إلى العسكر فعرفه صاحبه فأخذه.
.حدثني عمرو بن تميم قال: بلغنا أنه لما عبر المسلمون تحامت الفرس وقاتلت قتالًا شديدًا وحمت أنفسها وعوَّلت على أن تقاتل إلى أن تموت وهم خواص الملك وأصحاب الإيوان والحصون والقلاع ومقدمهم"شهريار بن ساور"، فطعنه خالد بن نمير في عينه ففقأها وانثنى عليه بضربة بالسيف فقتله وإذ فاجأتهم خيالة من نحو الإيوان وقالوا لهم: عمَّن تقاتلون، فإن الملك هرب بأمواله وأهله وخدمه؟! فلما سمعوا ذلك ولَّوا الأدبار ولم يكن بالمدائن أعجب من عبور المسلمين إليها! وسموا يوم عبورهم الدجلة"يوم الجراثيم"لأنه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش المربوط حزمًا.
قال قيس بن أبي حازم: خضنا الدجلة وهي تطفح فلما توسطناها كان يصل الماء من الفرس للحزام. فلما نظرت الفرس إلى ذلك والمسلمون يعبرون من غير مشقة جعلوا يقولون بالفارسية:"ديمور"-يعني جاء الجن-، وقالوا: والله ما أنتم تقاتلون إنسًا إنما تقاتلون جنًا فانهزموا! وأراد المسلمون الدخول إلى الإيوان فمنعهم سعد من ذلك وقال لهم: إياكم