فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 611

معاقلكم فتيقظوا من غفلتكم وذبُّوا عن حريمكم وأموالكم ولا تمكنوا العرب من جانبكم وهذه مقالتي لكم جميعًا!""

فلما سمع"البطليوس"-لعنه الله- كلام القس وما تكلم به التفت إلى بطارقته وجماعته ونوابه، وقال: هل سمعتم ما قال أبوكم؟ قالوا: سمعنا. قال: فما عندكم من الرأي؟ قالوا: نحن معك وبين يديك ونقاتل العرب ولا نطمعهم فينا كما طمعوا في غيرنا، وإن غلبونا استعددنا للحصار وعندنا من الميرة والعلوفة ما يكفينا عشر سنين وأزيد وبلدنا حصين ولا نسلم أنفسنا وإلا يكون علينا عارًا عند الملوك. فشكرهم"البطليوس"على ذلك.

ووثب قس آخر، وكان يناظر ذلك القس في المعرفة واستخرج كتابًا معلقًا كان عنده في صندوق من الآبنوس مقفل بأقفال من الفولاذ وقال: يا أهل دين النصرانية وبنى ماء المعمودية اسمعوا ما نعته لكم العلماء والكُهَّان والحكماء، أنه يبعث نبي في آخر الزمان يسمى محمد بن عبد الله من بني عدنان، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، يبعثه الله نبيًا إلى جميع البشر، مولده بمكة، ودار هجرته طيبة، ثم يقيم أعوامًا ويتوفاه الله - عز وجل -، ثم يتولى الأمر من بعده رجل يسمى أبا بكر وتزداد العرب به فخرًا ويجهز العساكر إلى الشام، ثم لم يلبث إلا أيامًا قلائل ويتوفاه الله تعالى، ويتولى الأمر من بعده الرجل الأصلع الأحور المسمى ب"عمر"وهو صاحب الفتوح ومصبح الأعداء بأشأم صبوح تفتح على يديه الأمصار ويبعث سراياه إلى سائر الأقطار، وإنا نجد في الكتب القديمة أن هذه المدينة تفتح على يد رجل أسمر وشجاع غضنفر فارس شديد وبطل صنديد يسمى ب"خالد بن الوليد"، فإن سمعتم قولي وقبلتم فاعقدوا مع العرب صلحًا فإن الدولة لهم ودينهم الحق، ولو قاتلهم أهل المشرق والمغرب غلبوهم ببركة الله وببركة نبيهم محمد"."

فلما سمع البطارقة كلامه غضبوا غضبًا شديدًا وأرادوا قتله فمنعهم"البطليوس"من ذلك وقال له: كأنك خفت من سيوف العرب! وأنا أعلم أن الرهبان والقسوس لا قلوب لهم لأنهم ليس لهم أكل إلا العدس والزيت والليمون والأشياء الرديئة، لا يعرفون اللحم، فلأجل ذلك ضعفت قلوبهم فلولا مقامك من قديم الزمان ورؤيتك للملوك القدماء لبطشت بك، ولئن عدت إلى مقالتك هذه لأقتلنك شر قتلة.

فسكت القس وخرج"البطليوس"من ساعته وجلس في قصره ذي الأعمدة، ثم استدعى ببطارقته وخلع عليهم، ورفع لهم الأعلام والصلبان، وعُرض عليه جيشه فإذا هم ثمانون ألفًا غير السوقة المشاة؛ فسرَّ بذلك سرورًا عظيمًا، ثم استدعى ببطريق من بطارقته يدعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت