فهرس الكتاب
أفرغ منهم ولابد من أخذ ثأري وأن أقلع ألف عين من العرب ثم لابد أن أصل إلى الصليب وأطالبهم به عن قريب. فلما سمعوا كلامه قالوا له: ها نحن بين يديك وقد رضينا بما رضيت لنفسك، فإن أمرتنا بالخروج خرجنا معك وإن أمرتنا بالقتال قاتلنا! فقال توما: اعلموا أن من خاض الحروب لم يخف من شيء! وإني قد عزمت على أن أهجم هذه الليلة وأكبسهم في أماكنهم فإن الليل مهيب وأنتم أخبر بالبلد من غيركم فلا يبقى الليلة منكم أحد حتى يتأهب للحرب ويخرج من الباب وأرجو أن لا أعود حتى تنقضي الأشغال فإذا فرغت من القوم أخذت أميرهم أسيرًا وأحمله إلى الملك يأمر فيه بأمره، فقالوا: حبًا وكرامة فعند ذلك فرق القوم على الباب الشرقي فرقة وعلى باب الجابية فرقة وعلى كل باب جماعة، وقال لهم: لا تجزعوا، فإن أمير القوم متباعد عنكم وليس هناك إلا الأراذل والموالي فاطحنوهم طحن الحصيد.
ودعا بفرقة أخرى إلى باب الفراديس إلى عمرو بن العاص وخرج توما من بابه وأخذ معه أبطال القوم ولم يترك بطلًا يعرف بالشجاعة إلا أخذه معه ورتب على الباب ناقوسًا، وقال لهم: إذا سمعتم الناقوس فهي العلامة التي بيننا فافتحوا الأبواب واخرجوا مسرعين إلى أعدائكم ولا تجدوا رجالًا نيامًا إلا وتضعون السيف فيهم. فإن فعلتم ذلك فرقتم جمعهم في هذه الليلة وانكسروا كسرة لا يجبرون بعدها أبدًا. ففرح القوم بذلك وخرجوا إلى حيث أمرهم وقعدت كل فرقة على بابها وأقاموا ينتظرون صوت الناقوس ليبادروا إلى المسلمين، ودعا توما برجل من الروم، وقال له: خذ ناقوسًا واعل به على الباب فإذا رأيتنا قد فتحنا الباب فاضرب الناقوس ضربة خفيفة يسمعها قومنا، وقد سار توما بقطعة من جيشه عليهم الدروع وبأيديهم السيوف وتوما في أوائلهم وبيده صفيحة هندية وألقى على رأسه بيضة كسروية كان هرقل قد أهداها له، وكانت لا تعمل فيها السيوف القواطع حتى وصل إلى الباب، ثم وقف حتى تكامل القوم، فلما نظر إليهم قال: يا قوم إذا فتحنا لكم الباب فأسرعوا إلى عدوكم وجدوا في سعيكم إلى أن تصلوا إلى القوم، فإذا وصلتم إليهم فاحملوا ومكنوا السيوف فيهم ومن صاح منهم بالأمان فلا تبقوا عليه إلا أن يكون أمير القوم ومن أبصر منكم الصليب فليأخذه! فقالوا: حبًا وكرامة.