فهرس الكتاب
وليس المراد من المقاصد هنا المقاصد المجردة التي بقيت حبيسة النفس ولم تظهر إلى حيز الوجود بفعل مادي يدل عليها، وبالتالي فالمراد بالمقاصد والمعاني هنا، هي التي عيَّنتها القرائن اللفظية التي توجد في عقد فتكسبه حكم عقد آخر، كما في انعقاد الكفالة بلفظ الحوالة، وانعقاد الحوالة بلفظ الكفالة إذا اشتُرِط فيها براءة المدين عن المطالبة أو عدم برائته [1] ، وما يشمل المقاصد العُرفية المُرادة للناس في اصطلاح تخاطبهم فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود, فقد صرح الفقهاء
بأنه يُحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه وإن خالفت لغة الشرع وعرفه كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والإعطاء [2] , إلا أن لذلك شروطا إن لم تتوفر حُكم للفظ دون المعنى؛ وهي:
أولًا: أن يحتمل اللفظ هذا الإستعمال اللغوي الجديد, وإلا فلا, فقوله لا أبيعك الكتاب بخمس دراهم, وقصد البيع, لا نَعدّ القصد, لعدم احتماله.
ثانيًا: إستواءُ جانبَيّ الظاهر والباطن؛ كقوله إذهبي لأهلك, فالمعتبر المقصود من القائل أيًا كان قصده, لاستواءهما, أو وجود قرائن مع اللفظ ترجح القصد على اللفظ مثل: وهبتكه بخمسة دنانير, فوجود الثمن مع غير لازمه_الهبة_ يصرفه للازمه_البيع_ فهو قرينة مرجِحة.
ثالثًا: ألا يكون حكم المقصود أدنى من حكم ظاهر اللفظ, كبعتك ولم يذكر ثمن, بطل, ولا يَؤول للهبة, لأن الملك بالهبة أدنى من الملك بالبيع, فالهبة فيها الرجوع دون البيع, والهبة لاتتم إلا بالقبض دون البيع [3] .
رابعًا: اعتبار المقاصد والمعاني في العقود مقيدٌ بما لم يعارضه مانع شرعي, مثل إذا ردَّ المشتري شراءً فاسدًا المبيع؛ انفسخ العقد السابق على أي وجهة كان الردُّ, سواء ببيع جديد أو هبة أو صدقة, لأن فسخَ البيعِ الفاسدِ ورَدَّ المبيع واجبٌ شرعيٌ, فيقعُ ردُّه على الوجوب ويبرأ من ضمانه, فأُلغي القصد من التصرف واعتُبر التسليمُ ردًّا بحكم الفسخ [4] , كما أن ذلك مقيَّد بتعذر العمل باللفظ, وإلا فلا شك أنّ اعتبار اللفظ أولى [5] .
(1) ابرهيم الحريري, المدخل إلى القواعد, ص 77, أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، ص 55 ..
(2) أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، ص 55, إبرهيم الحريري, المدخل إلى القواعد الفقهية, ص 77.
(3) عمر بافولولو, القواعد الفقهية, ص 98.
(4) أحمد الزرقاء, شرح القواعد الفقهية, ص 71.
(5) تاج الدين السبكي, الأشباه والنظائر, ج 1, ص 175.